وآية : وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ، يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ . « 1 »
لأنّ من الممكن أن يكون المراد بعبادة الملائكة وتسبيحهم وسجودهم هو عين وظيفتهم المقرّرة في تدبير أمور العالم وإفاضة الفيض وامتثال الأوامر الإلهيّة المفوّضة والموكلة لهم .
وعلى هذا فإنّ كلّ ملك من الملائكة منهمك ومنشغل بما عُهد إليه ، فإنّ فعله عين عبادته وتسبيحه ، وعين سجوده .
وربّما أشار إلى هذا المعنى قوله تعالي :
وَلِلَهِ يَسْجُدُ مَا في السَّمَوَاتِ ومَا في الأرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ . « 2 »
كما ينبغي العلم ؛ بناءً على التحقيق الذي أجريناه في هذا المعنى ، وأثبتنا فيه وساطة الملائكة في القيام بالأمور التكوينيّة والحوادث في هذا العالم وبالأمور والوقائع بعد الموت ؛ أنه لم يُلاحظ هناك أي جانب للاستقلال في فعل الملائكة ، بل كان لهم عنوان الواسطة فقط لا غير . فالمَلَك المقرّب الذي يأخذ من الاسم الأعظم للربّ فيفيض على المَلَك الذي دونه ، ومنه إلى المَلَك الأدنى ، وصولًا إلى الملائكة الثانويّين الذين يتصدّون بأنفسهم مباشرة ويراقبون أمور العالم . وأخيراً فإنّ جميع الحول والإرادة والقدرة والقوّة والعلم والحياة مختصّ بذات الحضرة الأحديّة ؛ أمّا عنوان الواسطة والآليّة والمرآتيّة ، فلا منافاة له أبداً مع انحصار هذه الأسماء والصفات في ذات الحقّ تعالى .
هامش
( 1 ) الآيتان 19 و 20 ، من السورة 21 : الأنبياء .
( 2 ) الآية 49 ، من السورة 16 : النحل .