ومن جهة أخرى فإنّ الملائكة يتحدّثون هناك مع باطن الإنسان ، فيجيبهم الإنسان بباطنه وواقعه ، ولذلك فلا يمكنه أن يموّه الأمر على الملائكة باختلاق الكذب والافتراء .
وإذا ما كذب أحد في هذه الدنيا ، فإنّ واقعه ووجدانه سيحكي شيئاً ، بينما سيحكي لسانه شيئاً آخر ، والكذب هو الوليد لهذا الاختلاف في الزاوية بين الحقيقة وبين القول باللسان ؛ الكذب هو التوافق بين المحتوى القلبيّ وبين المقولة اللسانيّة .
لا إمكان هناك للكذب في عالم البرزخ
أمّا هناك ، حيث تفتح الأبصار على الحقيقة والواقع ، وحيث يسلب طريق الانحراف والالتواء الذي تمثّله الغرائز المختلفة ، وحيث الحقيقة والواقعيّة المحضة ؛ فإنّ كلام الملائكة سيكون مع باطن الإنسان وحقيقته ، أي إنّ جهة الحديث ستكون مع قلب الإنسان فقط ، ولن يكون هناك عالم للرياء والخداع والمكر والحيلة والنظر المصلحيّ الموهوم الاعتباريّ ، حتّى يحاول الإنسان التثبث بهذه الوسائل لجعل عمله موافقاً للحقّ ومنطبقاً عليه ، وليموِّه بنحوٍ ما أفعاله السابقة وينكّرها بلباس التمويه والتشويه فيبدلها إلى صورة الحقّ .
إنّ من الممكن للإنسان ألّا يرتكب ذنباً في هذه الدنيا ، ليس من أجل رضا الله سبحانه أو من أجل الموافقة بين عمله وبين الحقّ والواقع ، بل لجهاتٍ أخرى غيرها . فقد لا يكذب لأنّ رفيقه سيفهم ويُدرك أنه قد كذب ، وقد لا يسرق لأن سرقته ستَتّضح وتنفضح ، وقد لا يخون ولا يظلم لئلّا تسقط شخصيّتهُ ومكانته في المجتمع .
إلّا إنّ من المسلّم إنّ فرداً كهذا لو واجه وضعاً وظروفاً أخرى بحيث يتيقّن بشكل أكيد إنّ أحداً لن يطّلع على كذبه أو اختلاسه أو ظلمه أو خيانته ، وإنّ كرامته وماء وجهه لن يهدرا ، فإنه سيفقد الرادع والمانع