ووصلت إلى تجرّدها ، لا للمادّة .
دلالة الآيات القرآنيّة على الحياة البرزخيّة
ومن جملة الأدلّة التي يمكن إقامتها على حياة الإنسان بعد الموت ، هاتان الآيتان اللتان ذُكرتا في مطلع الحديث :
وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ أمْواتاً بَلْ أحْيَآءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرِونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ ألَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ .
فبالوصول إلى مقام الولاية ، أي العبوديّة المطلقة ، سيزول عنهم أي نوع من الخوف والحزن الذي هو من لوازم الكثرة ومن آثار التفرقة والثُّنائيّة .
وسيحصل لديهم في ذلك العالم الذي يذهبون إليه اطّلاع على أرواح المؤمنين الذين لم يموتوا بعد ، وذلك بسبب هذا النوع من السعة والتجرّد الذي يمتلكونه ، فيبشّرون أولئك بهذا المقام الذي أنعم خالقُهم به عليهم .
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ . وقد ذكر سابقاً إنّ المراد بهذه النعمة مرتبة الولاية ، أي الفناء في سبيل الله . وعلاوة على ذلك فإنّ الربّ سبحانه سيُنيلهم المُنى من فضله فيُدركون حقيقة معنى : وَإنّ اللهَ لَا يُضِيعُ أجْرَ الْمُؤمِنِين .
قال في هذه الآية : وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللهِ أمْوَاتًا بَلْ أحْيَآءٌ ؛ ولم يقل : إنّ الله يُحييهم يوم القيامة ، بل هم أحياء عند موتهم ؛ وهو دليل على الحياة والمعيشة البرزخيّة .
وبالطبع فإنّ الجميع أحياء ، وكلّ من يموت فهو حيّ ، إلّا إنّ خصوصيّة وميزة أولئكم التي ميّزهم القرآن بها جاءت في ذيل الآية : عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا ءَاتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ .
ومن الثابت في علم الحكمة المتعالية إنّ رزق الجواهر المجرّدة