أمّا البياض فكناية عن عالم النفس الناطقة وحقيقة الإنسان المجرّدة والمنزّهة عن المادّة والطبع ، وعن شكل وصورة وحدود وثغور عالم المثال ؛ والسبحة في بحر التحرّر والانطلاق . وهو معنى الفؤاد الذي ورد في الرواية الأولى ، كما إنّ السجدة عبارة عن غاية التذلّل والعبوديّة ومقام الفناء .
وعليه فإنّ معنى ذلك سيصبح : يا إلهي ، لقد قَدِمْتُ بجميع مراتب ودرجات وجودي ، من الطبع والبدن ، ومن الخيال والمثال ، ومن النفس والحقيقة إلى مقام التسليم والعبوديّة المحضة والفناء في ساحتك المقدّسة ، فليس هناك في أي منها شائبة للأنانيّة والشخصيّة والاستكبار والاستقلال رزقنا الله ذلك بمحمّد وآله صلواته عليهم وسلامه .
كلام المرحوم الميرزا جواد آقا الملكيّ التبريزيّ في العوالم الثلاثة
ولهذا المعنى فقد صرّح آية الحقّ واليقين ، زين الحكماء والعرفاء الشامخين ، الحاجّ الميرزا جواد آقاى الملكيّ التبريزيّ أعلى الله مقامه الشريف في كتاب « المراقبات أو أعمال السنة » ص 85 ضمن أعمال ليلة النصف من شعبان بقوله :
وَمِنَ الْمُهِمَّاتِ سَجَدَاتٌ بِدَعَوَاتٍ مَخْصُوصَةٍ ، وَفي بَعْضِهَا إشَارَةٌ إلى الْمَراتِبِ الثَّلَاثَةِ للإنْسَانِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ : « سَجَدَ لَكَ سَوَادِي وَخَيَالِي وَبَيَاضِي » وَهُوَ كَالنَّصِّ بِعَالَمِهِ الْمَحْسُوسِ فَإنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ مَادَّةٍ وَمِقْدَارٍ ، وَعَالَمِهِ الْمِثَالِ وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ صُورَةٍ وَرُوحٍ ، وَعَالَمِهِ الْحَقِيقِيّ الذي بِهِ صَارَ إنْسَاناً يَعنِي حَقِيَقَةَ نَفْسِهِ وَهُوَ عَالَمُهُ الذي لَا صُورَةَ فِيهِ وَلَا مَادَّةَ ، وَهُوَ حَقِيقَتُهُ الْعَالِمَةُ اللَّطِيفَةُ الرَّبانِيَّةُ التي مَنْ عَرفَهَا فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ ، أي تَكُونُ مَعْرِفَتُهُ وَسِيلَةً لِمَعْرِفَةِ الرَّبِّ تعالى .
وكذلك كتب ذلك المرحوم في إجابته على رسالة للمرحوم زين الفقهاء وجمال السالكين الحاجّ الشيخ محمّد حسين الكمبانيّ الأصفهانيّ