ويعتبر الشيخ أبو عليّ بن سينا عالَم خيال الإنسان من آثار المادّة وخواصّها ، ولذلك فإنه لا يعتقد أيضاً بعالم البرزخ ، أي الخيال المنفصل ، وذلك لأنّ البرزخ يجب أن يكون له تجرّد مادّي لينفصل عن عالم المادّة . وفي اعتقاده فإنّ من غير المتصوّر أن يكون هناك عالم كهذا له صورة محضة ، وفيه حدّ وكمّ وكيف إلّا أنه ليس له مادّة . ولذا فإنه لم يعتقد ولم يقلْ بعالم البرزخ الواقع بين عالم المادّة والنفس . بَيْدَ أنه كان يقول بتجرّد النفس الناطقة ، حيث أقام البراهين الساطعة على تجرّدها ، بالرغم من إمكان نسبة تجرّد الخيال والبرزخ إليه ، استناداً إلى بعض عباراته التي يذكرها على نحو التشكيك .
أمّا صدر المتألّهين الشيرازيّ ، فقد أقام أدلّة متينة على تجرّد عالم الخيال المتّصل ، وكان يقول في كتبه صراحةً بعالم البرزخ والمثال المنفصل ، ويعدّ العبور من البرزخ للوصول إلى عالم القيامة من ضروريّات المسائل الحِكَمِيّة .
وقد تابعة في نهجه سائرُ الحكماء المتأخّرين عنه ، وأجمعوا على القول بعالم البرزخ والقول بتجرّده .
وقد سار المرحوم الحاج المولى هادي السبزواريّ على هذا النهج وقام بإثبات تجرّد عالم الخيال ؛ ولأنه كان يعتبر المعاد الجسمانيّ ببقاء الصور في عالم الدَّهر وعالم الكَون ، فقد قال بأنّ إثبات تجرّد الخيال مفيد لإثبات المعاد الجسمانيّ .
هذا وقد أقام دليلين رئيسيّين في إثبات تجرّد الخيال ، أحدهما برهان التحلّل ، والآخر بُرهان امتناع انطباع الشيء الكبير في الشيء الصغير . ونغضّ الطرف عن بيان كيفيّة هذين الاستدلالين ، ونُرجع الراغبين في الاطلاع إلى كتب الحِكْمَة .
معرفة المعاد — صفحة 112
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١١٢