عَلَيْهَا قَدْ حَازَهَا دُونَهُ .
فَلَمْ يَزَلْ الْمَوْتُ يُبالِغُ في جَسَدِهِ حتّى خَالَطَ لِسَانُهُ سَمْعَهُ ، فَصَارَ بَيْنَ أهْلِهِ لَا يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ ، وَلَا يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ ، يُرَدِّدُ طَرْفَهُ بِالنَّظَرِ في وُجُوهِهِمْ ؛ يَرى حَرَكَاتِ ألْسِنَتِهِمْ وَلَا يَسْمَعُ رَجْعَ كَلَامِهِمْ .
ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ الْتِيَاطاً بِهِ ، فَقُبِضَ بَصَرُهُ كَمَا قُبِضَ سَمْعُهُ ، وَخَرَجَتِ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ ، فَصَارَ جِيفَةً بَيْنَ أَهْلِهِ ، قَدْ أوْحَشُوا مِنْ جَانِبِهِ ، وَتَبَاعَدُوا مِنْ قُرْبِهِ ، لَا يُسْعِدُ بَاكِياً وَلَا يُجِيبُ دَاعِياً .
ثُمَّ حَمَلُوهُ إلى مَخَطِّ في الأرْضِ ، وَأسْلَمُوهُ فيهِ إلى عَمَلِهِ ، وَانقَطَعُوا عَنْ زَوْرَتِهِ ، حتّى إذَا بَلَغَ الْكِتَابُ أجَلَهُ ، وَالأمْرُ مَقَادِيرَهُ وَالْحِقُ آخِرُ الْخَلْقِ بِأوَّلِهِ ، وَجَاءَ مِنْ أمْرِ اللهِ مَا يُرِيدُهُ مِنْ تَجْدِيدِ خَلْقِهِ ، أمادَ السَّمَاءَ وَفَطَرَهَا ؛ الخطبة . « 1 »
وقد بيّن أمير المؤمنين عليه السلام في صدر هذه الخطبة ( الذي تجاوزناه ولم نذكره ) مسائل عن توحيد الله عزّ وجلّ ، ثمّ عن خلقة الملائكة ، وتحدّث بعد ذلك عن تمرّد الناس على دعوة رسول الله صلّى الله عليه وآله وميلهم إلى جيفة الدنيا . ثمّ قال بعد ذلك :
وَمَنْ عَشِقَ شَيْئاً أعْشَى بَصَرَهُ وَأمْرَضَ قَلْبَهُ فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ ؛ حتّى يصل في كلامه إلى حديثه عن هذا الشخص ذي القلب المريض والبصيرة العمياء فيذكر الكلام الذي نقلنا عباراته الشريفة .
ولقد أوردنا الخطبة إلى هذا الحدّ حيث محلّ الحاجة لبيان أحوال الشخص المحتضر عند سكرات الموت وصرفنا النظر عن نقل كلامه
هامش
( 1 ) - نهج البلاغة ، شرح محمّد عبده ، ج 1 ، طبع مصر ، من الخطبة 107 ، ص 212 و 213 .