جميع أفراد البشر ، وقد ضجّ القرآن الكريم بالنداء :
وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ .
لقد فنيت خيالاتكم وأوهامكم وتبدّدت في رمال العدم وفي تيه الضلالة . بلى ، انّ منزل الآخرة يحتاج سقفاً ، ويحتاج فراشاً ، ووروداً ومرايا ؛ لكنّ سقفه الجُنّة من النار ، وهو الاجتناب عن المحرّمات ؛ وفراشه الاستقرار في محلّ الأمن ، وذلك هو التقوى ؛ ومرآته صفاء الباطن ليصبح محلّ تجلّي أسماء الله وصفاته ؛ كما انّ وروده نسيم الرحمة المعطّر الهابّ من جانب الجنّة ، وهو التجلّي بالجمال الإلهي .
خطبة مفصّلة لأمير المؤمنين عليه السلام في كيفيّة حال الاحتضار .
خطبة مختصرة للإمام في الإتّعاظ والاعتبار والاستعداد للموت .
يقول مولى الموحّدين وأمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة :
وَلَا يَزْدَجِرُ مِنَ اللهِ بِزَاجِرٍ ، وَلَا يَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظٍ ، وَهُوَ يَرى الْمَأخُوذِينَ على الغِرَّةِ - حَيْثُ لَا إقَالَةَ وَلَا رَجْعَةَ - كَيْفَ نَزَلَ بِهِمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ ، وَجَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأمَنُونَ ، وَقَدِمُوا مِنَ الآخِرَةِ على مَا كَانُوا يُوعَدُونَ ؛ فَغَيْرُ مَوْصُوفٍ مَا نَزَلَ بِهِمْ .
اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ وَحَسْرَةُ الْفَوْتِ ، فَفَتَرَتْ لَهَا أطْرَافُهُمْ ، وَتَغَيَّرَتْ لَهَا ألْوَانُهُمْ ؛ ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ فيهِمْ وُلُوجاً ، فَحِيلَ بَيْنَ أحَدِهِمْ وَبَيْنَ مَنْطِقِهِ ، وَإنَّهُ لَبَيْنَ أهْلِهِ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ وَيَسْمَعُ بِاذُنِهِ ، وَعلى صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ وَبَقَاءٍ مِنْ لُبِّهِ . يُفَكِّرُ فِيمَ أفْنَى عُمْرَهُ ، وَفِيمَ أذْهَبَ دَهْرَهُ ، وَيَتَذَكَّرُ أمْوَالًا جَمَعَهَا ، أغْمَضَ في مَطَالِبِهَا ، وَأخَذَهَا مِنْ مُصَرَّحَاتِهَا وَمُشْتَبَهاتِهَا . قَدْ لَزِمَتْهُ تَبِعَاتُ جَمْعِهَا ، وَأَشْرَفَ على فِرَاقِهَا ، تَبْقَى لِمَنْ وَرَاءَهُ يَنْعَمُونَ فِيهَا وَيَتَمَتَّعُونَ بِهَا ؛ فَيَكُونُ الْمَهْنَا لِغَيْرِهِ وَالْعِبْءُ على ظَهْرِهِ ، وَالْمَرْءُ قَدْ غَلِقَتْ رُهُونهُ بِهَا .
فَهُوَ يَعَضُّ يَدَهُ نَدَامَةً على مَا أصْحَرَ لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ مِنْ أمْرِهِ ، وَيَزْهَدُ فيمَا كَانَ يَرْغَبُ فيهِ أيَّامَ عُمْرِهِ . وَيَتَمَنَّى انّ الذي كَانَ يَغْبِطُهُ بها وَيَحْسُدُهُ