تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠

الدنيا والآخرة عالَمان مختلفان موضوعاً .

في هذه الدنيا تمتلك النقود قيمة ، ويمتلك الذهب والفضة قيمة ، والجاه والمنزلة قيمة ، والقدرة والاعتبارات الأخرى قيمة ووزناً ، كما تمتلك كثرة الأقرباء والأولاد والأصدقاء والأعوان القيمة والوزن والاعتبار . بيد انّ هذه الأمور لا قيمة لها هناك أبداً ، وإذا ما كانت علاقة الانسان برحمه علاقة غير الهيّة فانّها ستنفصم هناك وتنقطع ، لأنّ القرابة والرحم قائمة هناك على أساس التقوى والفضيلة . لا فائدة من المال هناك ، ولا فائدة من الأعوان والأنصار ؛ هناك حيث لا قيمة لحيثيّة الانسان وشخصيّته الدنيويّة ، ولا لحكمه وسلطانه ، ولو تمكّن أحد أن يأخذ من الدنيا شيئاً من هذه الأمور ، فانّه سيصبح هناك شيئاً تافهاً لا قيمة له ، شيئاً كاسداً لا يرغب فيه أحد ، لأنّ تلك السوق غير هذه السوق ، وذلك الدكّان غير هذا الدكّان . افرضوا الآن انّكم في فصل الصيف حيث الجوّ حارّ ولاهب ، وانّكم تمتلكون قدراً من الثلج هو كلّ رأس مالكم وثروتكم ؛ فستكون ثروتكم هذه ذات قيمة في الوضع الحالي الفعلي ، لكنّها بالتأكيد ستفقد قيمتها في فصل الشتاء القارس . كما انّ الشخص الماهر في فنّ النجارة ، المتبحّر في النقش البارز والحفر على الخشب ، وفي زخرفة الأطباق والأشياء ونقشها باللون اللازوردي ، والخبير بدقائق هذا الفنّ وأسراره الذي يمتلك فنّه ومهارته قدراً وقيمة واعتباراً من كلّ الوجوه ؛ لو جاء يوماً إلى مكان يحتاجون فيه إلى حدّاد ويستخدمونه بأجور استثنائية ، فانّ هذا النجّار مهما قال لهم انّه خبير بفنّه ، وانّه كان معزّزاً مكرّماً في مكانه السابق ، وأنّ عليهم استخدامه في هذا العمل ، ومهما وعدهم بأنّه سيقدّم لهم جميع أنواع فنون صنعة النجارة ودقائقها على أفضل وجه ، وانّه سيقنع منهم بمرتّب بسيط ؛ فانّهم سيقولون في جوابه : نحنُ لا نحتاج نجّاراً ! ومهما امتدحت حرفتك وفنّك