والمراد من المكان القريب في هذه الآية الكريمة هو باطن الانسان الذي تحتلّه الملائكة لتقوم منه بسلب حقيقة الإنسان أي نفسه .
فهذا الباطن قريب إلى الشخص المحتضر إلى الحدّ الذي هو أقرب اليه من أعضاء بدنه ، بل من حواسّه كالباصرة والسامعة واللامسة ، وهو أمر يتّضح بقليل من الإمعان .
وعلى سبيل الفرض والمثال ، فهل لرفيقكم الذي يجلس إلى جواركم علمٌ بالأفكار والنوايا التي تدور في خلدكم وبالكم ؟ أيمكنه الاطّلاع على باطنكم بدون أن تظهرونه له وتُطلعونه عليه ؟
فرضوا الآن في أذهانكم أنّ الكعبة موجودة هنا ، وانّكم تغتسلون وتنشغلون بالطواف ، ثمّ تأتون إلى مقام إبراهيم عليه السلام بعد الطواف لسبعة أشواط فتصلّون صلاة الطواف فيه ، ثمّ تجلسون جانباً تتطلّعون إلى الكعبة ، لأنّ النظر إلى الكعبة أمر يستحقّ الثواب .
وبعد أن قُمتم بهذه الأعمال في ذهنكم بدون أن تبدر من أيديكم أو أرجلكم حركة ، وبدون أن يتحرّك بدنكم عن موضعه أدنى حركة ، وحتّى بدون الاستعانة بقوّة أعينكم وآذانكم في مشاهدة هذه المناظر وفي سماع أصوات الزحام وضجيج الناس وصخبهم في أطراف الكعبة ، ثمّ تسألون من رفيقكم الجالس إلى جنبكم : أيّها السيّد ، ما الذي فعلتُه ؟
فسيُجيب : لم تفعل شيئاً .
وستقولون : لقد قمتُ بالطواف والصلاة والتفرّج مدّةً على بيت الله بقوى التصوّر وعالم الخيال الموجود لديّ .
فيردّ عليكم : لا علم لي بباطنكم ؛ انّ عيني ترى بدنكم الذي لم يتحرّك ولم يفعل شيئاً .
وهكذا الأمر في حال الاحتضار حين يقبض ملك الموت الروح ،
معرفة المعاد — صفحة 196
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٩٦