قد ذهبتم بأنفسكم إلى مكّة ، وذلك لأن الصورة المثالية في النوم هي حقيقة الانسان ، ولم يكن الأمر انّكم كنتم هنا فتصوّرتم الذهاب إلى مكّة خارج وجودكم .
وعلى هذا الأساس فانّ الانسان يمكنه القيام بأعمال مهمّة في عالم النوم يعجز عنها في عالم اليقظة ، لأنّه يحاول أن يفعل ذلك حال اليقظة ببدنه الماديّ فلا تسعفه القدرة على فعل ما يشاء ، امّا عند النوم فانّه يُلقي ببدنه المادي ويفعل أفعاله ببدنه الصوري والمثالي الذي يفوق البدن المادي قدرته آلاف المرّات ، فيجترح الأعاجيب ، ويحلّق في السماء ، ويجتاز من المشرق إلى المغرب في لحظة واحدة ، ويسبح في المحيط الأطلسي فيعبره ، ويخترق الجدار ، وينفذ من فتحة صغيرة ضيّقة بقدر الإصبع ، ويختم القرآن في لحظة واحدة ، وأمثال هذه الأمور التي يعجز عن فعلها حال الصحو واليقظة .
كما انّ الانسان يخلع بدنه كليّاً عند الموت فيصبح تجرّده آنذاك أقوى وروحه أكثر تحرّراً وقدرة ، لذا تصبح أعماله أعجب ، فيصير بإمكانه أن يقوم في لحظة واحدة باكتساب العلم بجميع الجهات من عوالم الطبيعة وكيفياتها ، وان يمرّ على جميع أهله وعشيرته فيطّلع على أحوالهم ، وأن يقبل جميع الهدايا التي يرسلها اليه أصدقاؤه وأرحامه على هيئة خيرات ومبرّات تظهر بصورة رحمة ونور يمثل غذاءه المعنوي الذي يتمتّع به ، كما يمكنه ان يفوز بالعلوم الكليّة الالهيّة ، وان يطّلع على حالات نفوس الناس وعلى أوضاع أهل جهنّم وأهل الجنّة وكيفية الوقوف والحساب والميزان بالنسبة لهم . ونظير هذه الإحاطة العلميّة تحصل لأولياء الله في هذه الدنيا حال حياتهم ويقظتهم ، وكثيراً ما أمكن حصول ذلك لسالكي طريق الله الذين لم يصلوا بعد إلى مقام التجرّد
معرفة المعاد — صفحة 138
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٣٨