وذهنه لا يرقد على الأرض ، بل يبقى متيقّظاً متحرّكاً يحلّ المسائل الفكريّة ويقوم بالعبادة وبالمجادلات والمنازعات ، وبالنكاح ، ويحلّق في السماء ويسبح في البحر ويقوم بآلاف الاعمال بصور مختلفة نعبّر عنها بالحلم والرؤيا .
وهكذا نراه يصبح في بعض الأحلام عصبيّاً ومنزعجاً ينازع ويقاتل والخوف والحيرة تملأ كيانه ، كما نراه في بعضها الآخر مستغرقاً في السرور والانبساط ليّناً مسالماً إلى أبعد الحدود .
ثمّ ينهض من النوم فيخيّل اليه انّ بدنه قد قام بتلك الأعمال وانّه قد حلّق فعلًا بهذا البدن الترابيّ ونازع وجادل وقاتل وقام بالأسفار الطويلة . فيستفسر من رفيقه وصاحبه الذي كان صاحياً : ما الذي فعلتُ ؟ وأين ذهبتُ ؟ وكم شخصاً قتلتُ ؟ وما المباهج التي تمتّعتُ بها ؟ فيقول رفيقه في جوابه : لا شيء ، لا شيء مطلقاً ، فقد كان بدنك مطروحاً على الأرض بلا حراك ، ولم يبدر منك أبداً أي حركة ولا كلام .
بلى ، لم يقم بدنه بتلك الأعمال ، ولم يرتجل لسانه اللحميّ تلك الخُطب ، كما لم تشاهد عيناه الظاهريّتان القابعتان في فجوتي رأسه مناظر الحلم العجيبة المدهشة ، ولا سمعت أذناه اللتان قوامها اللحم والعظم تلك الأصوات وذلك الهدير والضوضاء .
الأفعال التي يفعلها الإنسان النائم في حال الرؤيا والموت ، يفعلها ببدنه المثالي
لقد كانت روحه تتحرك في عالم النوم ببدنه الملكوتي والمثالي ، وكان بدنه المثالي والصوري يجترح هذه الأعمال ، ولا علاقة في الأمر أبداً بالبدن المادي اللحمي .
وكذلك فانّ الأعمال التي يقوم بها الانسان حال الصحو والاستيقاظ انّما تقوم بها روحه بصورتها الملكوتيّة تلك ، غاية الأمر انّ عالم الطبع قوى وعالم المثال ضعيف ، لذا فانّ الروح لا تقوى على انجاز جميع الاعمال