تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
مقام السير التكاملي لوجودها ، حتى تصبح حيّة بشكل تدريجي وتنهض من سباتها الثقيل فتشقّ قبرها بلعاب فمها وتخرج من الشرنقة أو القبر فتحضر صحراء المحشر . وما أعجب ما اتّخذت من شكل ! وما أغرب ما تباينت ملامحها ! فلقد استحالت تلك الدودة الطويلة فراشةً لها جناحان كبيران فوقهما جناحان آخران صغيران ، وصار لها عينان برّاقتان متلألئتان كعيون الفراشة ، وقرنان كقرني الفراشة . وصارت الآن أقدامها التي كانت في مؤخّرتها أسفلَ رأسها ، واستحالت بطنها كبطن الفراشة تنقسم إلى قسمين أعلاهما ضخم وسميك وأسفلهما نحيف . ولقد صار بدنها وأجنحتها من الظرافة بحيث إذا لمسها لامس تناثر من مسحوقها اللطيف على يده . فسبحان الله ! ما الأمر ؟ وأي موجود هذا ؟ وأيّ تطوّر وتكامل هذا ؟ هذا هو أحد أمثلة ونماذج الموت وتطوّراته والبعث والنشور ، بالرغم من انّ الحالات التي بينّاها لهذه الحشرة ليست مثالًا للموت بل مجرّد تشبيه ، وذلك لأنّ جميع المراحل التي طوتها هذه الدودة كانت متعلّقة بأجمعها بعالم الطبع والمادّة ، ولم تتّصل بعالم البرزخ والصورة بسبيل ، بيد انّه تشبيه مفيد للغاية لتطوّرات الانسان وموته وحياته اللاحقة . وهو تشبيه يستحقّ التأمّل والعناية لمراحل موت الانسان ورقوده في القبر وفقدانه تماماً لشكله وهيئته الأولي ، وفناء العيون والآذان والجوارح ، وللإشارة إلى أن هذه التغييرات لا تدلّ على فقدان الحياة . فهذا الانسان سيحضر يوم القيامة في هيئة أخرى وشكل آخر ، هو الصورة والهيئة الواقعيّة لنفسه الناطقة ، غاية الأمر انّ قيامة هذه الدودة كانت بعد عشرين يوماً وقيامة الإنسان أبعد من ذلك .