فيها . وهذا القبر يعد ضروريّاً لها ، لانّها إن لم تُخفِ نفسها فيه فان النملة التي تُعدّ من أشد أعدائها ستقطّعها في الوهلة الأولى وتجرّها إلى بيتها ، كما أن العصافير ستبتلعها في لقمة واحدة فتُنهى أمرها ، وقد تُسحق تحت الأيدي والأقدام .
وهي تبني هذه الشرنقة أو القبر بين أغصان شجرة التوت ، أو في نفس الصندوق أو الوعاء الذي وُضعت فيه ، تبنيها بحجم ظريف ولطيف يرى الانسان نفسه محتاجاً له فيفيد منه على هيئة حرير يعدّ منه ملابسه . انّ هذه الحشرة تقوم عندما تنتابها سكرات الموت وحين يحين موتها بافراز لعاب فمها فتحوكه على بدنها وتلفّه عليه ، وتستمرّ في ذلك إلى مدّة يوم كامل تقريباً تصبح فيه هذه الشرنقة محيطةً بها بشكل كامل ، وتبدأ هذه الدودة بالتناقص في الطول تدريجاً حتى تصبح قامتها عند انتهاء حياكة الشرنقة تقارب ثلث قامتها الأصليّة .
وحين تكمل حياكة الشرنقة فان الحشرة ترقد في داخلها رقوداً طويلًا لمدّة عشرين يوماً ، لكنّ هذه الحشرة لم تعد خلال هذه المدّة بشكل دودة ، فقد التفّت على نفسها وانقبضت وانغرس رأسها وأيديها وأقدامها في جسمها ، وقصرت طولًا إلى حدّ لم يعد لها أيّ شبه مع تلك الدودة السابقة ، فقد صار طولها الآن يعادل سانتيمتراً واحداً ، فإذا شُقّت الشرنقة شوهدت هذه الحشرة أشبه بحبّة لوبياء محترقة ، أو كبيضة النحل ، متيبّسة وميّتة بما في الكلمة من معنى .
هذه الحشرة لا تشبه الّا موجوداً ميّتاً جامداً ، بيد انّها ليست ميّتة ، فما هو - يا ترى - السير الذي تطويه في شرنقتها ؟ وما هي الحركات الموجودة في جوهر وجودها التي تجذّبها كلّ لحظة من مرحلة إلى أخرى وتحوّلها من حال إلى آخر وترتقي بها بشكل متواصل أعلى المدارج في
معرفة المعاد — صفحة 132
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٣٢