تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة المعاد — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
الانسان حرّاً طليقاً ليفعل ما يحلوله . وذلك لأنّ أحداً لم يذهب ليأتي بالخبر ، لا أنّ أحداً قد ذهب ليأتي بالخبر أنه ليس هناك من شيء ، وبين هذين المعنيين فارق كبير . فلو كان أحدٌ ما قد ذهب وجاء بالخبر أن ليس هناك من جنّة ولا نار لكان ذلك كافياً ، لكنّ عدم ذهاب أحد وعدم جلب الخبر لا يدّل على عدم وجود تلك الأمور ، لأنّ من المحتمل في مقام الإمكان أن تكون أمور كهذه موجودة في الواقع ، ومع ذلك فانّ من ذهب أو رحل عن الدنيا لم يأتِ بالخبر عنها . لقد ذهب آباؤنا وأمّهاتُنا وأرحامنا وأصدقاؤنا ولم يأتوا بخبرٍ ما ، لا عن وجود تلك الأمور ولا عن عدمها ، فمن أين سيُعلم أنّها ليست موجودة حقّاً ؟ ولهذا فانّ أصل تحقّق القيامة والحساب والكتاب أمر ممكن ، كما أنّ الدليل والبُرهان لم يقم على عدمه ، فبأيّ مجوّز عقلي يحقّ للإنسان ان يرى نفسه متروكاً ومهملًا ؟ !

كلام أبي علي سينا في وجوب جعل المسموعات ممكنةً لحين إقامة العقلي

يقول أبو علي سينا : كُلَّمَا قَرَعَ سَمْعَكَ مِنَ الْغَرَائِبِ فَذَرهُ في بُقْعَةِ الإمْكَانِ مَا لَمْ يَذُدكَ عَنْهُ قَائِمُ الْبُرهَانِ . « 1 »
هامش
( 1 ) - هذه عبارة الشيخ المعروفة التي نُقلت عنه في الكثير من الكتب ، والمراد بالإمكان هنا الاحتمال العقلي لا الإمكان الذاتي . يقول الحكيم السبزواري في شرح المنظومة ، ص 46 ضمن شرح غرر « المعدوم لا يُعاد بعينه » : ومعنى الإمكان خلاف الاعتقاد الجازم ، اعني احتمال في مثل قولهم « ذر في بقعة الامكان » ما موصولة « لم يذده » أي لم يدفعه « قائم البرهان » إشارة إلى جواب دليل آخر اقناعي لهم ، وهو انّ الأصل فيما لا دليل على امتناعه ووجوبه هو الإمكان كما قال أحد الحكماء : « كلّما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الامكان ما لم يذدك عنه قائم البرهان » . وللشيخ الرئيس عبارة في آخر كتاب الإشارات بعد بيان جميع الإشارات ، تحت عنوان نصيحة ، يقول فيها « ايّاك أن يكون تكيّسك وتبرّوك عن العامّة ، هو أن تنبري مُنكراً لكلّ شيء ، فذلك طيش وعجز ، وليس الخرق في تكذيبك ما لم يستبن لك بعد جليّته دون الخرق في تصديقك ما لم يقم بين يديك بيّنة ؛ بل عليك الاعتصام بحبل التوقّف ، وإن أزعجك استنكار ما يوعاه سمعك ، ما لم تتبهن استحالته لك ؛ فالصواب أن تسرح أمثال ذلك إلى بقعة الامكان ، ما لم يذدك عنه قائم البرهان ) . وقد ورد هذا الكلام في الصفحة الأخيرة من الإشارات ، الطبعة الحجريّة . وفي الصفحة 159 و 160 من المجلد الرابع للإشارات ، الطبعة المصريّة الحديثة الثانوية .
معرفة المعاد — صفحة 108 | السيد محمد حسين الطهراني / عبد الرحيم مبارك