ذهب إلى الآخرة ليأتي بالخبر أنّ هناك جنّة وناراً ، وأنّ هناك حورالعين ، ومالك جهنّم وخازن الجنّة ؟ ! فاسعد ايّها السيّد بهذه الدنيا فهذه الأمور بأجمعها خرافات لفقّها الأنبياء ليمكنهم السيطرة على البشر المتمرّد المتعدّي ، وليقرّوا العدالة الاجتماعية في المجتمعات !
هذا المنطق هو منطق الأفراد السطحيين قصيري النظر ، وذلك أوّلًا : إنّ حسّ المسؤولية في الانسان العاقل المختار يعدّ جزء من فطرته وطينته ، ولا علاقة له بالأنبياء ، وهذا العالم لم يُخلق عبثاً أو باطلًا ، وهذا النظام العجيب منطبق على الحقّ ، كما انّ الانسان جزء من هذا العالم الواسع العجيب ، فاختياره يحدّده ويضعه في عالم التكوين على مفترق طريقي الخير والشرّ ، وهذا هو معنى التزام الانسان ومسؤوليته ، شأنه في ذلك شأن كلّ موجود من موجودات نظام الخلقة ، بل وكلّ ذرّة من ذرّاته .
أمّا إخراج الانسان من هذا الأمر العام وعدّه مهملًا ومخلوقاً عبثاً ، وتقديمه على أنّه خُلق بلا هدف وغاية ، فلا يعني الّا توجيه ضربة وتفتيت وسحق أساس هذا العالم مرجعها إنكار أساس المبدأ وأصالة عالم الوجود .
وثانياً : إنّ انكار الوحي وعدم إمكان الارتباط بعالم الغيب ، وانكار عالم ما وراء الطبيعة ( الميتافيزيقيا ) أمر فقد اليوم رونقه بين المفكّرين ، وصار لجامعات العالم السبل الكفيلة بالوصول إلى هذه الحقائق هم في صدد طيّها وانتهاجها ، كما انّ الاقتراب من الحكمة الإلهية والعرفان الربوبي يفتح نافذة أمل لإشعاع نور الحقيقة على قلوبهم .
ولقد بُرهن في الحكمة المتعالية بالبراهين القاطعة على وجود عوالم الغيب والملكوت ، بحيث لم تبق مجالًا للشك والاعتراض في مدرسة الفكر والتعقّل .
معرفة المعاد — صفحة 106
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٠٦