لنيل الجنّة والرضوان ، وحقيقته هي الحياة العليا مقابل الحياة الدنيا .
لقد كانت هذه الأرض بآثارها وخصائصها مهداً تربّى فيه النزهاء المخلَصون المطهّرون ، أولئك الذين التحقوا بالعالم العلوي مباشرة ولم يردوا في الحياة الدنيا طرفة عين ، بل جعل أولئكم على الدوام مأواهم ومستقرّهم في الحياة العليا بالرغم من تمتّعهم بالمواهب الإلهية على الأرض .
وذلك لأن العيش على الأرض ، والحياة الماديّة ، وسلامة البدن ، وطول العمر وهدوء البال هي أفضل أسس الآخرة وسبل السعادة وطرق تكامل الإنسان ، بل هي الوسيلة الوحيدة للكمال والسعادة .
وقد ورد في روايات كثيرة أنّ الأنبياء والأئمّة عليهم السلام كانوا يعملون ويشتغلون بالتجارة والزراعة ، ويرعون الأغنام ، وينظّمون الحدائق وبساتين النخيل ويعملون على سقيها بإجراء قنوات الماء .
فإن كانت هذه الأمور من الحياة الدنيا ، وإن كانت مذمومةً مُستقبحة ، فلِمَ أقدم هؤلاء على أعمال كهذه ؟ !
ما أكثر قنوات الماء التي أجراها أمير المؤمنين عليه السلام ، وما أكثر أشجار النخيل التي غرسها ، لكنّها كانت في الحياة العليا لا الحياة الدنيا ، فقد كان عليه السلام يوقفها على الفقراء والمساكين والضعفاء وذوي القربى .
كان أمير المؤمنين عليه السلام يحمل على ظهره يوماً جراباً فيه وسق نوى ، فسأله أحد أصحابه : ما هذا يا أبا الحسن ؟ قال : مائة ألف نخل إن شاء الله تعالى . فغرسه فلم يغادر منه نواةً واحدة . « 1 »
هامش
( 1 ) - بحار الأنوار ، ج 41 ، ص 32 ، ط الآخوندي .