لا نرحل عنها باختيارنا ، وهذا المجيء والذهاب ليس هو الدنيا المذمومة .
كما أن الأرض لم تقترف ذنباً ، والجبال والمياه والشلّالات والمراتع والمناظر العجيبة الغريبة على الأرض ، والريح والمطر وتعاقب الفصول الأربعة والمناظر المذهلة لطلوع الشمس وغروبها ، ومناظر القمر والنجوم والمجرّات لم تجترح سيّئة .
لقد عاش على الأرض الأنبياء والأئمة وأولياء الله ولا يزالوا يعيشون وهم ليسوا بملعونين . . . وحياتهم على الأرض لن تكون منقصة وذلة لهم . فهم لم يبتعدوا عن رحمة الله ولن يبتعدون . . .
الحياة على الأرض على أساس التقوى والعدالة ليست حياةً دنيويّة .
المقصود بالدنيا المعيشة الحيوانيّة ، أي حين يقوم الانسان الذي ينبغي له - بامتلاكه القوى العقليّة - أن يصل إلى ذروة قوس الصعود والارتقاء إلى أعلى قمم مدارج الانسانية ومعارجها ، بالحطّ من حياته إلى أسفل السافلين حيث يعيش على أساس منطق الحيوان ، ويغفل عن التفكير في عالم الخلقة العجيب هذا ، وعن التأمّل في برنامج الانسانيّة وهدفها ، فيجعل همّه منحصراً في المأكل والمشرب ومواثبة الآخرين ، وهدفَه ومرامه في القتل والغارة والاعتداء على الضعفاء ، وتنظيم حياته على أساس الخيالات الواهية والآمال الجوفاء التي يستحيل لها اكتساب التحقّق والواقعيّة .
وقد التبس هذا المعنى على الكثير من الناس الذين فهموا من معنى الحياة الدنيا الحياة على الأرض والحياة الماديّة ، ولذلك فقد عدّوا المقصود بذمّ الدنيا ذمّ الحياة الماديّة وذمّ التمتع بالمواهب الالهيّة المشروعة على الأرض ، وهو توهّم كبير وخاطيء جداً . لأن الحياة على الأرض والتنعّم بما انعمه الباري إذا اقترن بالتقوى والورع والعدل والملكات الحسنة ، وتوأم مع العبوديّة في محضر ذات الله المقدّسة ، فانّه سيكون أفضل وسيلة