لكن أتى الشّرع ذو الإرشاد مقتضيا * شكر الوسائط حكما غير ذي حول
والنّاس في ذا على ثلاثة قسموا * فغافلون بالانهماك في غفل
قيود حسّهم عليهم قويت * ونور قدسهم طاف بلا شغل
يرى المحاسن للمخلوق قد عميت * عيناه عن خالق العمّال والعمل
فشركه إن يكن في العقد متّضح * وإن يكن في استناد فهو غير جلي
وعذو الحقيقة غاب عن شهود سوى * مولاه فان عن الأسباب والعلل
فذا كساه سنا وجه الحقيقة سا * لك الطّريقة قافي واضع السّبل
نعم غريق بأنوار وقد طمست * آثاره ليس ذا صحو من الثّمل
فالشّكر والجمع والفنا وغيبته * للعكس غالبة كلّ لعكس كل
والكامل الأكمل العبد الذي شربا * فازداد صحوا بكأس شربه العلل
وغاب فازداد في الحضور فهو به * لا جمعه حاجب عن فرقه النّهل
ولا الفناء عن البقا وعكسهما * يعطي الجميع حقوقا غير ذي فشل
إليه أرشد صدّيق بنيّته * إذ قال قومي اشكري لسيّد الرّسل
[ 1 ] - دلالة منه للمقام الأكمل إذ * إثباته وسطا شنشينة البطل
- غاب عن الخلقّ ، بشهود الملك الحقّ ، وفني عن الأسباب ، بشهود مسبّب الأسباب ، فهو عبد مواجه بالحقيقة ، ظاهر عليه سناها ، سالك للطّريقة ، قد استولى على مداها ، غير أنّه غريق الأنوار ، مطموس الآثار ، قد غلب سكره على صحوه ، وجمعه على فرقه ، وفناؤه على بقائه ، وغيبته على حضوره . وأكمل منه عبد شرب فازداد صحوا ، وغاب فازداد حضورا ، فلا جمعه يحجبه عن فرقه ، ولا فرقه يحجبه عن جمعه ، ولا فناؤه يصرفه عن بقائه ؛ ولا بقاؤه يصدّه عن فنائه ، يعطي كلّ ذي قسط قسطه . ويوفي كلّ ذي حقّ حقّه . وقد قال أبو بكر الصّدّيق رضي اللّه عنه لعائشة رضي اللّه عنها لمّا نزلت براءتها من الأفك على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا عائشة اشكري رسول اللّه ، فقالت : واللّه لا أشكر إلّا اللّه . دلّها أبو بكر على المقام الأكمل ، مقام البقاء المقتضي لإثبات الآثار ، وقد قال اللّه تعالى :
أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ
[ لقمان : 14 ] وقال صلى اللّه عليه وسلم : لا يشكر اللّه من لا يشكر الناس . وكانت هي في ذلك الوقت مصطلمة عن شاهدها ، غائبة عن الآثار ، فلم تشهد إلّا الواحد القهار .
الشّنشينة : الطبيعة والخليقة والسّجيّة .