علما بأنّ بناء الكون منهدم * لا بدّ من سلب ما يحويه من خول
فلم يكن فرحا بما عواقبه * إلى الفناء جرت ولا بمحتفل
فالعقل يقضي بباق أن يكون به * في غاية البشر والإشراق والجذل
مولّيا معرضا ومغضيا صدفت * عن هذه الدّار نفسه على ملل
[ 1 ] - فما ارتضاها له من نبله وطنا * لا لا ولا سكنا للعلم بالحول
بل انهض الهمّة العليا لبارئها * فيها استعان به على جنا الأمل
مطيّة الأمر منه لا قرار لها * فلم تزل في دوام السّير والنقل
حتّى أناخت به بحضرة طهرت * بساط أنس رفيع القدر والنّزل
به مفاتحة به مواجهة * به مجالسة للقرب والوصل
به محادثة به مشاهدة * به مطالعة جلّت عن العلل
بحضرة القدس عشّشت قلوبهم * فالكلّ يأوي إليها غير مرتحل
وينزلون سماء حيّ ربّهم * وأرض حظّهم بالإذن والكمل
بمكنة ورسوخ في اليقين فلم * يأتوا بلا أدب لحقّه الجلل
ولا إلى حظّهم بشهوة فهم * إليه منه به له بلا بدل
فهم بحال سؤال صدق مدخلهم * وصدق مخرجهم لطبّ ذي علل
بأن يروا حوله بدءا وقوّته * والانقياد إليه حالة النّقل
وحال طالب نصر نصره وبه * ولا عليه لكي ما يرتقي لعلي
نصر بفقد شهود نفسه وفنا * عن حسّه وبه لمن إليه يلي
[ 2 ] - إن خصّصت عين قلب شكر منّته * به فحقّ حقيق دون ما جدل
الحول من التّحول وهو التّنقل من موضع إلى موضع ومنه قوله تعالى :
خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا
( 108 ) [ الكهف : 108 ] .
يشير الناظم بهذا البيت وما بعده إلى مكاتبة ابن عطاء اللّه إلى أحد مريديه ويقول له فيها :
« إن كانت عين القلب تنظر إلى أنّ اللّه واحد في منّته ، فالشّريعة تقتضي أنّه لا بدّ من شكر خليقته . وإنّ الناس في ذلك على ثلاثة أقسام : غافل منهمك في غفلته ، قويت دائرة حسّه ، وانطمست حضرة قدسه ، فنظر الإحسان من المخلوقين ، ولم يشهده من ربّ العالمين . إمّا اعتقادا فشركه جليّ ، وإمّا استنادا فشركه خفيّ ، وصاحب حقيقة -