فهكذا قياس موت الإنسان الكبير أعني جملة العالم الجسماني الذي هو حيوان مطيع للّه تعالى متحرّك بالإرادة وله بدن واحد هو جرم الكلّ ، وطبع واحد سار في الجميع هو طبيعة الكل ، ونفس واحدة كليّة مشتملة على جميع النّفوس ، وروح كلي مشتمل على جميع العقول وهو العرش المعنوي يستوي عليه الرحمن » - انتهى .
وبالجملة « الموت » و « الفناء » من لوازم الحركة الجبليّة والتوجّه الغريزي للكل إلى اللّه
ولِكُلّ وِجْهَةٌ هُو مُوَلّيها
« 1 » ،
وَما مِن دابّةٍ إلاّ هُو آخِذٌ بناصِيَتها
« 2 » ، وانّ للطبائع غايات ، ولغاياتها غايات إلى أن ينتهي إلى غاية الغايات . ومقتضى الحكمة والعناية إيصال كلّ ممكن لغاية . وهذه الحركة وهذا التوجّه وهذا الإيصال في الإنسان أظهر
يا أيُّهَا الإنسانُ انّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدحاً فُملاقيهِ
« 3 » ، سيّما الكامل منه ، فانّه باب الأبواب ، والكل قاصد عتبته يا بن آدم خلقت الأشياء لأجلك وخلقتك لأجلى . ومن هنا ظهر حقيقة ما قال بعض أهل التحقيق : انّ الموت مطلوب بالاختيار والإنسان متوجّه إليه بالطّوع والرّغبة أي الرغبة الفطريّة والطّوع الجبلّي والاختيار العقلي ، لا الرغبة الخيالية والوهميّة ، ولكن أنت تعلم انّه ليس شراشر وجود الإنسان هو الخيال والوهم ولا حذافير الرّغبات والأشواق هو الشّوق الحيواني ، بل إذا شرحت وجود الإنسان كانت هي بعض مراتبه الدّانية ، وإن كانت هي أيضا بصدد الاستكمال والبلوغ إلى غاية مّا ، والتبدل من حال إلى حال ، ولكن « كل ميسّر لما خلق له » « 4 » فهي أيضا طالبة للموت من حيث لا تشعر ومن هنا قال تعالى :
فَتَمَنَّوا الموتَ
« 5 » وقال عليّ ( عليه السّلام ) : و « اللّه
هامش
( 1 ) البقرة : 148 .
( 2 ) هود : 56 .
( 3 ) الانشقاق : 6 .
( 4 ) حديث نبوي كما في سنن الترمذي ، ج 5 ، ص 289 ، صحيح مسلم ، ج 5 ، ص 206 ، حلية الأولياء ، ج 6 ، ص 294 .
( 5 ) الجمعة : 6 .