بذاته ، وإن ابتهج بغيره فمن حيث إنّه أثر ذاته ، فلا يرضى إلاّ بذاته ، ولا يحبّ إلاّ ذاته ، ولهذا ، لمّا قرأ عند بعض المشايخ قوله تعالى :
يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ
، قال : في الحقيقة لا يحبّ إلاّ نفسه . وأنّ الداعي والغرض له على الفعل ليس إلاّ ذاته ، وعلمه بذاته هو عين ذاته .
فنقول : الفاعل لغرض زائد على ذاته ، فاقد بذاته ذلك الغرض ويجعل الفعل ذريعة لنيله ، والواجب الوجود الغني لو كان كذلك لزم فيه الفقد والفقر .
وأيضا ، الغرض هو الّذي يدعو الفاعل [ 1 ] على الفعل ويقهره ويسخره ، ولولاه لم يفعل ، ولذا قال الحكماء : العلّة الغائية علّة فاعلية الفاعل ، وما الذي يسخر المسخّر للكل ويقهر القاهر فوق عباده ؟ ! وأيضا ، الدّاعي الزّائد والغرض اللاّحق ، لا بدّ أن يكون له جلوة في نظر الفاعل وله ابتهاج ، وما الّذي له جلوة وبهاء في نظر الفاعل الذي هو أجمل من كل جميل وأجل من كل جليل ؟ ! الذي كلّ جلال وجمال وكمال عكس من بهاء جماله وظلّ من شمس جلاله ورشح من بحر كماله ! حتى يريد أن يحصّله بذلك الفعل الكلي لابتهاجه به واجتذابه إليه ، وإلاّ لزم أن يتصوّر أفضل ممّا عليه الواجب فمنظوره ومعشوقه لا يكون إلاّ ذاته تعالى ، ولذا قال الحكماء : العالي لا يلتفت إلى السافل بالذات إلاّ بالعرض . ونعم ما قال الشيخ الرئيس أبو علي ابن سينا : « لو أنّ إنسانا عرف الكمال الذي هو واجب الوجود الذي هو فوق التمام ، ثم فرض أنّه منظّم العوالم على مثاله ، كان غرضه الواجب الوجود [ 2 ] ، فإذا كان الواجب هو الفاعل فهو الغرض
هامش
[ 1 ] فذلك الغرض والدّاعي الزائد غير الفاعل ويقهره على الفعل فليس من ذاته بذاته ومن هنا قيل :
الإنسان مضطرّ في صورة مختار . منه .
[ 2 ] فأنّ تنظيم العوالم فعل والفعل مطلوبيّته للفاعل انّما هي بالعرض وهو كمقدّمة الواجب التكليفي له وجوب توصّليّ . والغرض من ذلك الفعل مطلوبيّته بالذّات وهو كذي المقدّمة له وجوب أصاليّ وهذا الفعل لكلّيته وتماميّته لا بدّ أن يكون له غرض وغاية أكمل وأتمّ ، ولا أتمّ وأكمل ولا