قلت : غاية الإيجاد ليست وجوده النفسي بذاته لذاته ليلزم تحصيل الحاصل ، بل وجوده الرابطي لنا وظهوره علينا ، ولكن « بلا نحن » كما قيل : « كنّا بنا ، فغبنا عنّا ، وبقينا بلا نحن » وهذا الوجود والظهور ليس غيره والتقدّم والتأخّر هنا ليسا زمانيّين ، بل هذا التأخّر حيثية ذاته عين حيثية التقدّم على الفعل الإطلاقي .
واعلم انّ الأشاعرة أيضا يقولون : أفعال اللّه غير معللّة بالأغراض ، ولكن أين الظلمة من النّور ؟ ! والزّنجي من الحور ؟ ! فإنّ الحكماء الإلهيّين يقولون : لا غاية في صنعه وفعله وراء ذاته ، لا أنّ فعله بلا غاية مطلقا ، كيف ؟ ! وكلّ فعل لا غاية له يكون ناقصا معطّلا وعبثا ، واللّه سبحانه أجلّ من أن يصدر عنه فعل بلا حكمة ، وهؤلاء يقولون لا غاية لفعله أصلا وينزّلون قوله تعالى :
لا يُسئَلُ عمّا يَفعَلُ وهُم يُسئَلونَ
« 1 » ، على هذا . وهو تحريف الكلم عن مواضعها ، فانّ معناه « لا يسئل عمّا يفعل » لأنّه ذاتي لا يعلّل ، أو لأنّ غاية فعله الأخيرة لا تكتنه لأنّها ذاته ، أو لا يسئل عن لمّيّة اختلافه لأنّه على طبق قابلية القوابل فلا يسئل : لم جعل العقل عقلا والنفس نفسا والبياض بياضا والسّواد سوادا ؟ فإنّ اختلاف الماهيات ذاتي [ 1 ] غير مجعول جعلا تركيبيّا ، كما أنّ الماهية نفسها أيضا غير مجعولة جعلا تركيبيّا ، بل ولا جعلا بسيطا ، أو « لا يسئل عمّا يفعل » لاستواء نسبته إلى الكل الرّحمن على العرش استوى : أعني لا بدّ أن لا يرى شرّا فلا يسئل بم جعل الألف مستقيما والّدال منحنيا معوجا ، لأنّ الاستقامة والانحناء كلاهما ملائم قلمه الأعلى كما مرّ .
ولنرجع إلى أصل المقصود : وهو أنّه تعالى أنشأ الوجود بذاته لذاته ، وأنّه مبتهج
هامش
[ 1 ] فاختلاف الوجود باختلاف الماهيّات ، واختلافها ذاتيّ مثل أنّ اختلاف وجود السّواد والبياض باختلاف ماهيّتهما واختلاف ماهيّتهما ذاتيّ ، إذ على القول بجعل الماهيّة نفسها مجعولة لا اختلاف ماهيّة مع ماهيّة وقوله تعالى : « ما ترى في خلق الرّحمن من تفاوت » أي في المجعول بالذات الذي هو الوجود لا تفاوت إلاّ بالعرض تبعا للماهيّات . منه ؟
( 1 ) الأنبياء : 23 .