ذاته قطعة [ 1 ] وهي « الهمامة » المضطربة في نفسه فخالطت الظلمة غازية لها ، فاقتطعتها الظلمة عن النور الأعظم ، وحالت بينها وبينه ، وخرجت همامة الظلمة غازية للنور الأعظم فاقتطعتها النور الأعظم عن الظّلمة ، ومزجها بأجزائه وامتزجت همامة النور بأجزاء الظلمة أيضا ، ثم ما زالت الهمامتان تتقاربان وتتدانيان ، وهما ممتزجان بأجزاء هذا وهذا ، حتى ابتني منهما هذا العالم المحسوس ولهم في « الهمامة » كلام مشهور وهي لفظة اصطلحوا عليها » - انتهى . وقوله ( عليه السّلام ) « أجال الأشياء » روي بدله :
« أجلّ الأشياء » وإجالتها وتأجيلها متقاربان معنى . وقوله ( عليه السّلام ) « غرّز غرائزها » مثل قولهم ( عليهم السّلام ) : « كيفّ الكيف » محمول على الجعل البسيط : أي أوجد الكيف لا الجعل المركب وقوله ( عليه السّلام ) : « وألزم أشباحها » قال ابن أبي الحديد في شرحه : « 1 » « الضمير المنصوب في ألزمها عائد إلى الغرائز : أي ألزم الغرائز أشباحها
هامش
[ 1 ] لعلّ مرادهم بالنّور الأعظم ، حقيقة الوجود ، وبالهمامة والقطعة ، النور الأسفهبد الإنساني ، وخروجها من ذاته ، أنّه أمر اللّه وروح اللّه كما قال تعالى : « ونفخت فيه من روحي » . فتجلّى النور الأعظم بالنور الأسفهبد على الصّياصي ونفوسها الحيوانيّة ، ومخالطتها الظلمة ، تعلّقها ، واقتطاعها عن النور الأعظم إخلادها إلى التعلّق بالبدن . ولعلّ مرادهم بالظلمة ، الجهل الكلّي وعالم الصّور الماديّة ، وبهمامة الظلمة ، القوى الحيوانيّة والنّباتيّة وغيرهما ، واقتطاعها من الظّلمة ومزج النّور الأعظم إيّاها بأجزائه تبدّلها وتنّورها بنور العقل بالفعل وإسلامها على يديه اللّذين هما العقل النظري والعقل العملي كما قال ( صلّى اللّه عليه وآله ) : « شيطاني أسلم على يدي » وصيرورة القوّة الغضبيّة كلبا معلّما بعد ما كان عقورا هراشا ، والقوة الشّهويّة خنزيرا مؤدّبا بعد ما كان شرها منهوما . وهذا كقولهم الآخر :
أنّ الظلمة حاصرت النّور وحبسته مدّة ثم أمدّته وأيّدته الملائكة فاستظهر على « أهرمن » الذي هو الظّلمة ، فقهر الظلمة إلاّ أنّه أمهلها إلى أجل مضروب . فالنّور هو الأسفهبد ، والمحبس هو البدن ، وانحصاره تسلّط القوى الحيوانيّة وغيرها عليه ووغوله في إدراك الجزئيات من حيث هي جزئيّات ، وإمداد الملائكة إيّاه ، تأييد العقل الفعّال وتوفيق الحقّ المتعال بإخراجه من القوّة إلى الفعل ، والإمهال بقاء القوى إلى نهاية الاستكمال كما شاء اللّه تعالى ، وإنّما ردّه وأبطله ( عليه السّلام ) لأنّ ظاهره النور العرضيّ الذي لا شعور له والظلمة عدم ملكة هذا النّور ، وأنّه ينافي التوحيد وعموم القدرة ، وأنّه لا مؤثّر في الوجود إلاّ اللّه ، وهو القاهر الباهر ، نور كلّ نور . منه .
( 1 ) نفس المصدر ، ص 81 .