فانّ كل موجود له جهتان : جهة نورانية ، وهي وجه اللّه الباقي
فايَنَما تُوَلّوُا فَثَمَّ وَجْهُ اللّه
« 1 » وجهة ظلمانية وهي حدّه وتعينّه وماهيّته وانّها
كَسَرابٍ بِقيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظّمَأنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شيئاً وَوَجَد اللّهَ عِندَه فوفّيهُ حِسابَهُ
« 2 » ، فالتذلّل يقع له بجهته النورانيّة مثلا : الشمس مبدء للخيرات الّتي لا تعدّ ولا تحصى باعتبار وجوده ووجوبه ونورانيّة ، وفعّاليّته ومرغوبيّته لأجل هذه ، لا باعتبار ماهيّته وإمكانه وظلمته الذاتيّة وانفعالاته المادّيّة ، إذ ليس لماهيّته ومادّته إلا المظهريّة والمجلويّة .
وإيثار كلمة « أنت » التي للحضور لأنّ هنا مقامات : ففي مقام لا يرى الذاكر في نفسه ولا في غيره إلاّ السّرابيّة والفقر والفاقة والعبودية المحضة ، وانّ ماهيّة العبد وما في يدها من الوجود وكمال الوجود لمولاها وحينئذ يقول : « يا هو يا من هو يا من لا اله الاّ هو » « 3 » ، وفي مقام يرى أنّ الحقّ حقيقة الوجود ، وهو الحاضر الشهيد على كل شيء ، وهو المحيط بكل الوجودات والماهيّات ، وبه خرجت الماهيّات عن استواء الوجود والعدم وصارت واجبة بالغير ، أحديّة الوجه ، وأنّه لم يكن المواد كالعناصر إلاّ ظلمات وغواسقا ، وبالنّور الحيّ العليم القدير المريد السّميع البصير صارت متنّورة حيّة عالمة قادرة - إلى آخره ، بحيث إنّ مظاهر الماهيّات ومجالي المواد فانية تحت قاهرية صفاته وباهريّة أسمائه ، بل أقهرية ذاته ، فناء المرآة تحت ظهور الصور المرئية فيها وحينئذ يقول : « لا اله الاّ أنت بل لا أنت الاّ أنت » ومن المأثورات عن المعصومين ( عليهم السّلام ) : « لا أرى الاّ وجهك ولا أسمع الاّ صوتك » « 4 » ومن هنا وقع الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في فاتحة الكتاب ، إيماء إلى أنّ القارئ ينبغي أن
هامش
( 1 ) البقرة : 115 .
( 2 ) النور : 39 .
( 3 ) التوحيد ، ص 89 عن كلمات الإمام عليّ ابن أبي طالب ( عليه السّلام ) ، التفسير الكبير ج 1 ، ص 151 مع اختلاف في العبارات .
( 4 ) الدر المنثور ، ج 5 ، ص 6 ، بحار ، ج 54 ، ص 209 ، من كلمات عزير .