أن يسمّى ذلك « شرّا بالقياس » إليه ، وأمّا الاقتضاء الأوّل الذي كلامنا فيه فلا يمكن وصفه بالشّر لأنّه لم يكن قبله اقتضاء يكون هذا بخلافه فيوصف بأنّه شرّ ، بل هو الاقتضاء الذي جعل الخير خيرا لأنّ الخير لشيء ليس إلاّ ما يقتضيه ذاته ، والتولّي الذي كلامنا فيه هو الاستدعاء الذاتي الأزلي والسؤال الوجودي الفطري الذي يسأله الذات المطيعة السامعة لقول « كن » وقوله « كن » ليس امر قسر وقهر لأنّ اللّه عز وجلّ غنيّ عن العالمين فكأنّه قال لربّه ائذن لي أن أدخل في عدلك وهو الوجود فقال اللّه تعالى : « كن » .
فإن قيل : أين للمعدوم لسان يسئل به ؟
فالجواب : انّ لكلّ موجود قبل وجوده الظهوري أطوار « 1 » من الكون ، وللأشياء مواطن ومكامن أشار ( صلّى اللّه عليه وآله ) إلى بعضها بقوله : « انّ اللّه خلق الخلق في ظلمة » « 2 » ولعلّها المشار إليها « بالنون » [ 1 ] والنون « الدواة » والدواة مجمع سواد المداد
هامش
وليس للمرئيّ بها هناك إلاّ شيئيّة الماهيّة ، وأمّا وجوده فهو الوجود الخاص به فيما لا يزال وهو حادث وليس في الأزل فالعلم به في الأزل ، والمعلوم فيما لا يزال . منه .
[ 1 ] أي لعلّ الظلمة هي المشار إليها بها . وذلك لأنّ النون إشارة إلى الإمكان وهو الظلمة لأنّه سلب الضرورتين والنّور هو الوجود وضرورته . وفي النون نونان : نون الزّبر ونون البيّنة . وإحداهما نون الإمكان الذّاتيّ والأخرى نون الإمكان الاستعدادي ففيه سبك ظلمة من ظلمة فيناسب الدّواة الّتي هي مجمع المداد الأسود الّذي يشبه الظّلمة . وأيضا شكل النون في الكتب بأمّ الخطوط يشبه شكل الدّواة فكان تأويل النون في قوله تعالى : « ن والقلم » ، هو عالم الإمكان وكذا تأويل الظّلمة في الحديث .
وحامل الإمكان أوّلا هو الماهيّات الّتي في العلم وثانيا في العين .
ثم أنّ « الواو » التي في قلب « النون » واو « الوجوب » . والواو أيضا فيها واوان :
إحداهما ، واو الوجوب السابق والأخرى ، واو الوجوب اللاّحق ، إذ كلّ ممكن محفوف بالضّرورتين . وفي قلبهما « الألف » الّتي هي حرف الذات الأقدس . وفي جعل الواو قلبا هناك ، والألف قلبا هنا ، إشارة إلى أنّ الوجوب هو البدّ اللازّم لعالم الإمكان وانّ الوجوب عين الذات الأقدس . منه .
( 1 ) أطوار : أطوارا م .
( 2 ) الفتوحات ، ج 2 ، ص 61 ، جامع الأسرار للآملي ، ص 260 .