بالنّسبة إلينا ونحن زمانيّون ، تخمر شيئا فشيئا وآنا فآنا من علّيّين الذي هو الملكات الحميدة ، أو من سجّين الّذي هو الملكات الرّذيلة ، كما سئل عنه ( عليه السّلام ) :
« أنحن في أمر فرغ أم في امر مستأنف ؟ » فقال : « في أمر فرغ وفي امر مستأنف » ، فالموضوعان [ 1 ] السعيد والشقي الاخرويان ، كما قال تعالى :
يَومَ يأتِ لا تُكلَّمُ نَفسٌ الاّ بِاذنِهِ فَمنهُم شَقِىٌّ وَسَعيدٌ
« 1 » .
إن قلت : [ 2 ] هذا في ما سوى هذا الوجه ينافي قوله ( عليه السّلام ) : « كلّ مولود يولد على فطرة الإسلام إلاّ أنّ أبواه يهوّدانه ويمجّسانه وينصّرانه » « 2 » .
قلت : كلّ مولود يولد على الفطرة روحا وصورتا بالجهة النورانية والسّعيد سعيد في بطن أمّه وكذا الشّقيّ جسد أو مادة [ 3 ] ، وإذا جعلنا بطن الأمّ [ 4 ] النشأة العلمية فكلّ
هامش
هو في شأن » - الرحمن : 29 - ج 4 ، ص 448 ، المجلي لابن أبي جمهور ، ص 414 في ضمن رواية اقتراح بيعة أبي سفيان مع عليّ ( عليه السّلام ) .
[ 1 ] جواب الشرط الذي هو قولنا : « وإذا جعل » إلى آخره . أي إذا جعل واعتقد أنّ بطن الأمّ هو الحياة العنصريّة الّتي لها في عالم العناصر بمناسبة أنّ العناصر أمّهات أربعة فالسعيد الموضوع في الحديث ، وكذا الشقيّ ، هما اللّذان في الآخرة ويوم البروز والمحمولان هما اللّذان كانا في الدنيا ويوم الكمون عن أبصار أهلها بما هم أهلها . منه .
[ 2 ] توضيحه : أنّه علم من قوله ( عليه السّلام ) : « كلّ مولود » أنّه كان في بطن الأمّ قبل الولادة مسلما وسعيدا وأنّ الشعوب والتوزيع حصلا بعد المصاحبة مع القرناء السّوء ، وقد علم من قوله ( عليه السّلام ) في الحديث الآخر ، أنّ السّعيد والشقيّ وبالجملة الشّعب والتوزيع ، كانا قبل الولادة حين كونهما في بطن امّهما ، فكيف التّوفيق ؟ وقد ذكرنا كيفيّته بقولنا : « قلت » إلى آخر . منه .
[ 3 ] يعني أنّ التوزيع بالسّعيد والشّقيّ والكثرة حصل بالأبدان واستعداد موادّها في الأرحام للصّور المتفنّنة . والرّوح فطرته التّوحيد « خلقكم من نفس واحدة » كيف ؟ وهو أمر اللّه وكلمة اللّه « وما أمرنا إلاّ واحدة » ، أي إلاّ كلمة واحدة وفي المقاطع صارت لطفيّة وقهريّة وحيث كانت تلك الكلمة النفسيّة نفسا رحمانيّا ، كانت واحدة .
والصّورة في قولنا : « روحا وصورة » ما به الشيء بالفعل . منه .
[ 4 ] أي التوزيع والكثرة حينئذ ليس إلاّ بحسب المفهوم فانّ نشأة العلم نشأة الوحدة بحسب الوجود ، لا الكثرة ، إلاّ بحسب المفهوم ، ولهذا يقال لها « مقام تصالح الأضداد » . والوجود أينما كان كاشف عن الوجوب وناطق بالحق والتّوحيد « شهد اللّه أنّه لا اله إلاّ هو » وهذا كما أنّ الأشياء في عقلك البسيط مفاهيمها مختلفة كوجود الإنسان المعقول والفرس المعقول والبياض والسّواد المعقولين وبالجملة جميع ما عقلته فانّ الكلّ موجودة بوجود عقلك البسيط الواحد . منه .
( 1 ) هود : 105 .
( 2 ) حلية الأولياء ، ج 6 ، ص 228 .