تولاّه طبعا وإرادة . وهذا عدل منه ورحمة وقد ورد : انّ اللّه تعالى خلق [ الخلق كلّه ] في ظلمة ، ثم قال : ليختر كلّ منكم لنفسه صورة أخلقه عليها وهو قوله :
خلقناكم ثمّ صَوَّرَناكُم
« 1 » . فمنهم ، من قال : ربّ اخلقني خلقا قبيحا أبعد ما يكون في التناسب وأوغله في التنافر حتّى لا يكون مثلي في القبح والبعد عن الاعتدال أحد ، ومنهم ، من قال : خلاف ذلك . وكلّ منهما أحبّ لنفسه التفرّد فانّ حبّ الفردانية فطرة اللّه الساريّة في كلّ الأمم التي تقوّم بها وجود كلّ شيء فخلق اللّه كلاّ على ما اختاره لنفسه ، فتحت كلّ منكر معروف وقبل كلّ لعنة رحمة وهي الرّحمة التي وسعت كل شيء فأنّ اللّه يولّي كلاّ ما تولّى وهو قوله تعالى :
وَمَن يُشاقِقِ الرَّسوُلَ مِن بَعِد ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى نُولِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَّنَمَ وَسائَتْ مَصيراً
« 2 » . فإن شكّ في ذلك شاكّ فليتل قوله تعالى :
إنّا عَرَضنا الامانَةَ عَلى السَّموات وَالأرضِ وَالجبالِ فَابَيْنَ ان يَحْمِلْنَها -
« 3 » الآية ، ليعلم أنّ اللّه تعالى لا يحمل أحدا شيئا قهرا وقسرا ، بل يعرضه أوّلا ، فإن تولاّه ولاّه ، وإلاّ فلا ، وهذا من رحمة اللّه وعدله .
لا يقال : ليس تولّي الشيء ما تولاّه عدلا حيث لا يكون ذلك التولّي عن رشد وبصيرة ، فانّ السفيه قد يختار لنفسه ما هو شرّ بالنسبة إليه وضرّ ، بجهله وسفاهته ، فالعدل والشفقة عليه ، منعه إيّاه ، لأنّا نقول : هذا التولّي والتوجيه الذي كلامنا فيه أمر ذاتّي لا يحكم عليه بالخير والشرّ ، بل هو قبلهما ، لأنّ ما يختاره السفيه انّما يعدّ شرا بالقياس إليه لأنّه مناف لذاته بعد وجوده [ 1 ] ، فلذاته اقتضاء أوّل متعلّق بنقيض هذه السفاهة ، فذلك هو الذي أوجب
هامش
[ 1 ] إذ الشّرّ هو عدم وجود ، أو عدم كمال وجود ، وإذ لا وجود للشّيء بعد ، لأنّ ذلك الوجود الذي يظهر به سؤاله واستحقاقه هو وجود اللّه ووجود قلمه ولوحه ووجود المرآة ليس وجودا للمرئيّ بها
( 1 ) الأعراف : 11 .
( 2 ) النساء : 115 .
( 3 ) الأحزاب : 72 .