معراجي إلى السّماء ومعراجه إلى الماء » وقد قالوا : « الطرق إلى اللّه بعدد أنفاس الخلائق » ويرشدك إلى هذا : أنّ كل صنعة وحرفة قد ورد من أئمة الدّين فيها مدح فإيتاء الملك ونزعه مثلا بالإضافة إلينا بما نحن بشر ، أحدهما مفضّل والآخر مفضّل عليه ، وأما هما من الجهة المقدّسة [ 1 ] التي أشرنا إليها فلا ، ما ترى في خلق الرّحمن من [ 2 ] تفاوت « 1 » وفي الحديث القدسي : « وانّ من عبادي من لا يصلحه إلاّ الغنى ، لو صرفته إلى غير ذلك لهلك . وانّ من عبادي من لا يصلحه إلاّ الفقر ، لو صرفته إلى غير ذلك لهلك » ، وفي الآثار : فانّ جابر بن عبد اللّه الأنصاري الّذي من أكابر الصحابة ، عاده في مرضه يوما محمّد بن عليّ الباقر ( عليه السّلام ) فسأله عن حاله ، فقال جابر :
« أعيش والشيب أحبّ اليّ من الشّباب ، والمرض من الصحة ، والموت من الحياة » فقال الباقر ( عليه السّلام ) : « أمّا أنا فإن شيّبني اللّه تعالى فالشّيب أحبّ إليّ وإن أمرضني ، فالمرض أحبّ ، وإن صحّحني فالصحّة ، وإن أماتني فالموت ، وإن أحياني فالحياة » فقبّل الجابر وجهه ( عليه السّلام ) وقال صدق رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) حيث أخبرني بأنّك تلاقي من أولادي من يبقر العلم بقرا ، كما يبقر الثّور الأرض » ولهذا يسمى باقر علوم الأولين والآخرين . فجابر ( رضى اللّه عنه ) كان في « مقام الصبر » وهو ( عليه السّلام ) أخبره عن « مقام الرضا » [ 3 ] .
هامش
[ 1 ] وحقيقة تلك الجهة حقيقة الوجود الّتي هي الجهة النّورانيّة من الجهتين اللّتين قال الحكماء المتألّهون انّ في كلّ ممكن موجود جهتين : نورانيّة وظلمانيّة . فالنورانيّة وجه اللّه تعالى ، والظّلمانيّة وجه النفس وهي الماهيّة الإمكانيّة . فالقرب والعروج هما الاتّصال بحقيقة الوجود اتّصالا حقيقيّا بنحو التمكّن والاستقامة « فاستقم كما أمرت » . منه .
[ 2 ] أي في خالقيّة الرّحمن ولعلّك سمعت من أنّ الإيجاد الحقيقيّ لا الإضافيّ المصدري هو الوجود المنبسط ولهذا يقال له « الحقّ المخلوق به » في اصطلاح آخذا من الآية الشريفة : « ما خلقنا السّماوات والأرض إلاّ بالحق » ، وذلك الوجود واحد لا يتكثّر إلاّ بتكثر الموضوعات وهو « أمر » اللّه الواحد كما قال : « وما أمرنا إلاّ واحدة » . منه .
[ 3 ] فمقام الصبر مقام التفضيل والترجيح . ومقام الرّضا هو مقام الاستواء « ورضوان من اللّه أكبر »
( 1 ) الملك : 3 .