« السّئول » : المسؤول قال تعالى :
وقد أوتِيتَ سُوُلَكَ يا مُوسى
« 1 » . قد خرج من السّابق أنّه تعالى مطلوب الإنسان سيّما الكامل منه ، وغاية مناه ، وقد خرج عن هذه الفقرة المباركة أنّه تعالى مطلوب الكلّ وذلك لوجوه :
منها ، قوله تعالى
ما خَلقُكُم وَلا بَعثُكُم الاّ كنَفسٍ واحِدَةٍ
« 2 » ، ومنها ، أنّه تعالى مطلوب الإنسان الكامل ومعروفه ، والإنسان الكامل مطلوب الكلّ ، فأنّه مركز تدور الجميع عليه وكنز مخفي يطلبون معرفته ، ومنها ، أنّ كلّ موجود يحبّ الوجود ولهذا مهما تغرز إبرة على نملة تنقبض وتهرب خوفا من العدم ، ويحبّ الفردانيّة ، كما قال تعالى :
كُلُّ حِزبٍ بِما لَدَيهِم فَرِحُونَ
« 3 » ، ويطلب مظهريّة من
ليس كمثله شيء
، وكذا يحبّ الحياة والعلم والقدرة والغناء وغيرها من توابع الوجود ، والوجود وتوابعه من اللّه [ 1 ] ، وبه ، وإليه ، ولذا قال بعض الحكماء : « 4 » لا بدّ أن يكون في الوجود وجود بالذّات [ 2 ] وفي العلم علم بالذّات
هامش
[ 1 ] أي ابتدأ منه لأنّه الوجود الصّرف الجامع لسنخ وجود أيّ شيء كان ، كما هو حكم كلّ صرف ، وصرف كلّ شيء سابق على مشوبه ، والبسيط مقدّم على المركب ، « كان اللّه ولم يكن معه شيء » وقولنا : « به » معناه أنّ كلّ موجود به موجود كما قال تعالى : « ما خلقنا السّموات والأرض الاّ بالحقّ » ، والفيض المقدّس وهو الوجود المنبسط الذي به وجود كلّ موجود ممكن . وفي كلّ بحسبه ، يسمّى عند قوم « بالحقّ المخلوق » به ، آخذا من هذه الآية الشريفة .
وقولنا : « وإليه » إشارة إلى قولهم : « التوحيد إسقاط الإضافة » فكما أنّ في الابتداء كان وجود صرف بسيط ، كذلك في الانتهاء ، فأنّ العارض يزول « إنّ إلى اللّه الرجعي وأنّ إليه المنتهى » . منه .
[ 2 ] أي لا قيام صدوري له بما فوقه وبالفاعل ، ولا قيام حلوليّ له بالقابل ولو كان عروضا عقليّا بماهيّة تحليليّة في اعتبار العقل إذ لا ثاني له ، كما قال « الشيخ » في الهيّات الشفاء : « الموجود المطلق لا مبدء له » ومعنى كلامه أنّ حقيقة الوجود المطلق بمعنى الواسع المحيط لو كان له مبدء ، كان موجودا لأنّ
( 1 ) طه : 36 .
( 2 ) لقمان : 28 .
( 3 ) الروم : 32 .
( 4 ) القائل هو أبو نصر الفارابي في الفصوص ( الفصّ 18 ) .