عليه العرفاء الشامخون والحكماء المتألّهون ونطق به القرآن الحكيم بقوله تعالى :
لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّميعُ البَصيرُ
« 1 » ، ومثل تسويل المعارف الجمّة بالمبدأ والمعاد ، وإن كانت في أعلى المراتب وأدقّ المعاني ، لأنّه لا يعرف اللّه بقوّة العقل من حيث هو ، وإنّما يعرف بنور منه [ 1 ] بما هو هو كما مرّ .
ويدخل في « تسويل الظنون » جميع أصناف المغالطة المشروحة في كتب أهل العلم : كإيهام الانعكاس ، والمصادرة ، واشتراك اللفظ ، وأخذ ما بالعرض مكان ما بالذّات ، وبالعكس ، وسوء التأليف ، وغيرها : فأنّ من الأمور ما هو حقّ ومنه ما هو مشبّه به . وكما أنّ من المسمّى بالإنسان ما هو انسان حقيقي ومنه ما هو شبح الإنسان ، ومن الجماد ما هو فضّة ومنه ما هو مفضّض ، كذلك من المسمّى بالحكيم أو العالم من هو مبرهن بالحقيقة ومنه ما هو مموّه ومزوّر . ومن القياس ما هو حقّ ، ومنه ما هو سفسطيّ أو مشاغبيّ وهو قياس يرى أنّه موافق للحقّ ونتيجته توافق الحقّ وليس كذلك ، وموافق للمشهور ونتيجته توافق المشهور وليس كذلك . ولا بدّ من مشابهة بالحقّ موجبة للترويج . ولهذه المشابهة والتّرويج أسباب كثيرة مشروحة في فنّ المغالطة . ويسمّى هذه « موازين الشيطان » [ 2 ] كما أنّ « ميزان التّلازم » و « ميزان التعاند »
هامش
وأيضا ، للنّاس طبقات ثلاث ، أعلى وأوسط وأدنى ، فغايات الأعلين والبالغين ليست مثل غايات الأدنين والمتوسّطين . وفي الدّعاء : « يا نعيمي وجنّتي » . وإنّما لم نذكر هذا المقابل ، لأنّا ذكرناه قبيل ذلك . منه .
[ 1 ] لأنّ العقل له الطّيران إلى سماء عالم الأمر ، والحسّ له السّريان إلى عالم الخلق . فمن له الخلق والأمر وفوقهما ، لا يمكن إدراكه بهذه المدارك - أعلاها وأدناها - لأنّ المدرك لا بدّ أن يكون من سنخ المدرك ، وزان سنخ لذينك ، فبنوره يدرك نوره كما في الدّعاء : « بك عرفتك » كما سبق . منه .
[ 2 ] جملة موازين الشيّطان ثلاثة عشر ، وأمّا موازين الرّحمن فهي خمسة والمجموع ثمانية عشر بعدد الموزونات من العوالم الثمانية عشر ألفا إذ يوزون بها الكلّ سواء كانت احكام ذواتها وجواهرها ، أو صفاتها وأعراضها . وقد بسطنا الكلام في الموازين في « شرح الأسماء » عند الكلام علي الاسم المبارك : « يا من في الميزان قضاؤه » . منه .
( 1 ) الشورى : 11 .