يصغ القلب إلى إغواء الشّيطان ، وظهرت الطّاعة على جوارجه بموجب ما سبق من القضاء و « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرّحمن » وفي الحديث : « في القلب لمتّان : لمّة من الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق ، ولمّة من العدوّ إيعاد بالشرّ وتكذيب للحقّ » - الحديث .
( 29 ) الهي أتراني ما أتيتك إلاّ من حيث الآمال :
« الهمزة » للتّقرير طلبا للعطوفة والرّحمة لأنّ حملها على معناها الحقيقي متعذّر ، أو من باب تجاهل العارف الّذي هو من المحسّنات البديعيّة لنكتة الوله والدّهشة وأنّهما بلغا حدّا لا يعرف الدّاعي المتحسّر بهما شيئا . والجملة المنفيّة في موضع المفعول الثاني ل « تراني » إن كان من « رأى » العلميّة ، وفي موضع الحال إن كان من « رأى » البصريّة .
( 30 ) أم علقت بأطراف حبالك الاّ حين باعدتني ذنوبي من دار الوصال :
« علقت » : اي اعتصمت عطف على « أتيتك » فيدخل « ما » النافية عليه وأوتي بصيغة الجمع في « الأطراف » و « الحبال » تنبيها على كثرة الوسائل والأسباب والمراقي إلى اللّه تعالى . والاستثناء في الموضعين مفرّغ أي ما أتيت من مكان إلاّ من مكان الآمال وما علقت بها حينا الاّ حين كذا ، ففي الفقرتين « مراعاة النظير » من حيث تناسب المكان والزّمان حتّى يقال أنّهما توأمان .
و « الذّنوب » أعمّ من الصّغيرة والكبيرة والتّشريعيّة والتّكوينيّة الّتي هي النّقائص اللاّزمة من الماهيّة والمادّة والتعلّق بهما . ومن أكبر الكبائر ما هو المشار إليه في قوله :
« وجودك ذنب لا يقاس به ذنب » فانّ الكلّ منشأ المباعدة عن دار الوصال . و « دار الوصال » أعمّ من دار الوصال الّتي خلفك وكنت أنت وأمثالك فيها منذ العهد القديم - ولكونها خلفا عبّر عنه ب « الظّهر » في قوله تعالى :
وَإِذ اخَذَ مِن بَنىِ ادَمَ مِن ظُهُورِهِم