تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح دعاء الصباح — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧

ضياء وإحياء

قال صاحب إحياء العلوم : « إنّ خاطر الهوى يبتدي أوّلا فيدعوه إلى الشرّ ، فيلحقه خاطر الإيمان فيدعوه إلى الخير ، فينبعث النّفس بشهوتها إلى نصرة خاطر الشرّ فتقوّي الشهوة وتحسّن التمتّع ، فينبعث العقل إلى خاطر الخير ويدفع في وجه الشهوة ويقبّح فعلها وينسبها إلى الجهل ويشبّهها بالبهيمة والسّبع في تهجّمها على الشرّ وقلّة اكتراثها « 1 » بالعواقب . ويميل النّفس إلى نصح العقل ، فيحمل الشّيطان حملة على العقل ويقوّي داعي الهوى فيقول : ما هذا الزّهد البارد ؟ ولم تمتنع عن هواك فتؤذي نفسك ؟ وهل ترى أحدا من أهل عصرك يخالف هواه أو ترك عزيمته ؟ أفتترك ملاذّ الدّنيا لهم يستمتعون منها وتحجر على نفسك حتّى تبقى محروما مطعونا يضحك عليك أهل الزّمان ؟ تريد أن تزيد منصبك على فلان بن فلان وقد فعلوا مثل ما اشتهيت ولم يمنعوا ؟ أما ترى العالم الفلاني ليس يحترز عن فعل ذلك ولولا كان شرّا لامتنع عنه ؟ فيميل النّفس إلى الشّيطان وينقلب إليه فيحمل الملك حملة على الشيطان ويقول : هل لك إلاّ من اتّبع « 2 » لذّة الحال ونسي العاقبة ؟ أفتقنع بلذّة يسيرة وتترك الجنّة ونعيمها أبد الآباد أو تستثقل ألم الصّبر عن شهوة ولا تستثقل ألم النّار ؟ أتغتر بغفلة النّاس عن أنفسهم واتّباعهم الهوى ومساعدتهم للشيّطان ، مع أنّ عذاب النّار لا يخفّف بمعصية غيرك ؟ فعند ذلك يميل النّفس إلى قول الملك ، فلا يزال مردّدا بين الجندين متجاذبا إلى الجانبين إلى أن يغلب على القلب من هو أولى به . فإن غلب على القلب الصّفات الشيطانيّة ، غلب الشّيطان وأجرى على جوارحه سوابق القدر ما هو سبب بعده عن اللّه تعالى . وإن غلب عليه الصّفات الملكيّة لم
هامش
( 1 ) الاكتراث : الاعتناء . ( 2 ) هل لك الاّ من اتّبع : هل أنت الاّ كمن اتّبع ( هامش ن ، نسخة بدل ) .