تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح دعاء الصباح — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
وقد ثبت في مباحث الغايات الّتي هي أشرف اجزاء الحكمة : أنّ العلّة الغائيّة في كلّ فعل تعود إلى الفاعل بالآخرة : أمّا في الفعل الكلّي لفاعل الفواعل ، فلأنّه لا غرض آخر يعلّل فعله سوى ذاته ، ولا يجوز الاستكمال على ذاته ، وأمّا في فعل غيره ، فلأنّ ذاته ناقصة فاعل وذاته كاملة غاية والنّاقص من شيء وكامله ليسا مباينين ، والاّ لم يكن الناقص ناقصا من ذلك الكامل ولا الكامل كاملال لذلك النّاقص ، وأيضا الغاية مؤخّرة عينا ، مقدّمة ذهنا ، وهي علّة فاعليّة الفاعل ، والأشياء تحصل بأنفسها في الذّهن ، فالرّيان يطلب الريان والشبعان يبتغي الشبعان وهكذا ، إذ ما لم يقم صورة الريّ مثلا بنفس طالب الريّ ولم يحط به خبرا لم يمكنه الطّلب ، وما لم يكن للماء نحو وجود [ 1 ] ووجدان ونشأة بروز في الأذهان لم يمكن طلب الماء ، قال ابن الفارض : « 1 »
ولولا شذاها ما اهتديت لحانها * ولولا سناها ما تصوّرها الوهم
وبالجملة ، من الأسباب الموجهّة نحو المطلوب الّذي هو خير محض معروفيّته ، ومعروفيّة الشيء هي هو ، وكيف لا يكون من الأسباب بل رأسها وسنامها . ومن المعلومات أنّ طلب المجهول المطلق محال ومطلوبيّة الشيء على حسب معروفيّة ذاته وكمالات ذاته وبقدر الالتذاذ به قال عليّ ( عليه السّلام ) في بعض خطبه الشريفة : « اوّل الدّين معرفة اللّه ، وكمال المعرفة التّصديق به ، وكمال التّصديق به توحيده ، وكمال التّوحيد الإخلاص له ، وكمال الإخلاص له نفي الصّفات عنه ، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف ، وشهادة كلّ موصوف انّه غير الصّفة فمن وصفه
هامش
[ 1 ] إذ لا يمكن أن يقال للماء في النفس شيئيّة ماهيّة فقط فانّ تقرّر الماهيّة منفكّة عن كافّة الوجودات باطل ، وصورة الريّ في الحقيقة ريّ ، والماء كذلك ، سواء كانت صورة خياليّة أو عقلية ، بل الصّورة العقليّة للشيء أحقّ بإطلاق اسمه من الماديّة ، لأنّ الصورة المادّية محفوفة بالمادّة ممنوّة بأجانب وغرائب من حقيقته ، بخلاف العقليّة لصرافتها ، وهي والخياليّة نوريّة علميّة باقية بخلاف الماديّة الطبيعيّة ، فأنّها ظلمانيّة معلومة بالعرض داثرة إذ الطّبع مطلقا متجدّدة بالذات . منه .
( 1 ) ابن فارض ، ديوانه ، ص 179 ( حرف الميم ) .
شرح دعاء الصباح — صفحة 90 | ملا هادي السبزواري / نجفقلى حبيبى