الوثوب ونحوه له من باب الاستعارة التخييليّة . ونعم الزّمام القنوع ، ففي الحديث :
« القناعة كنز لا ينفد » ، « عزّ من قنع ذلّ من طمع » .
( 26 ) الهي إن لم تبتدئني الرّحمة منك بحسن التّوفيق ، فمن السّالك بي إليك في واضح الطّريق ؟ ! « التّوفيق » : توجيه الأسباب نحو المطلوب الخير . لمّا صار المقام مقام الانس بعد ذكر الفقرات السّابقة ، سيّما ما دلّ على الفواضل بالنّسبة إلى الدّاعي كالإرقاد والإيقاظ والكفّ المذكورات ، أضاف الّداعي إلهه إلى نفسه وهذه الإضافة تشريفيّة . وفيها من الابتهاج والالتذاذ ما لا يخفي على المحبيّن . وبمثل هذه الإضافة أسكر إبليس اللّعين حيث قال تعالى :
وَانَّ عَلَيكَ لَعنَتي إلى يَومِ الّدينِ
« 1 » وإسناد الابتداء إلى الرّحمة إسناد مجازيّ من باب الإسناد إلى المعفول له وهو حصولي . وكلمة « من » استفهاميّة مبتدأ ، خبره « السّالك » . و « الباء » بعده للتّعدية . و « واضح الطريق » من إضافة الصّفة إلى الموصوف . والمراد « بالرّحمة » رحمته الّتي وسعت كلّ شيء ونور وجهه الّذي أضاء به كلّ شيء وفيء ، وقد مرّ بعض نعوته . والمقصود أنّه تعالى وليّ التّوفيق ومسبّب الأسباب ، ولولا توفيقه وتسبيبه لم يمكننا معرفته والسّلوك نحوه ، فله الحمد على توفيق الحمد ، وهو المبتدأ بالنّعم قبل استحقاقها [ 1 ] . وفيه إشارة إلى أنّ ما منه في هذا السّلوك عين ما إليه ، وأنّ فاتحة كتاب الكون عين الخاتمة ، « أوّل الفكر آخر العمل »
هامش
[ 1 ] في الدّعاء : « يا مبتدأ بالنّعم قبل استحقاقها » وذلك لأنّ استحقاق المواد وقابليّتها فرع الوجود الذي اجلّ نعمة وهو سيبه وعطيّته ولو لاه لم يظهر مادّة ولا قابليّة .
وأمّا قولهم : « العطيّات بقدر القابليّات » مقتنصا من قوله تعالى : « أنزل من السّماء ماء فسالت أودية بقدرها » ، ففي ماء حياة النّفوس السّائل بحسب قوابل الأبدان ، وفي الكمالات الثانية الفائضة على الموضوعات بقدرها . والوجود بحسب قابليّات الأعيان الثابتة في نشآت العلم اللاّمجعولة بلا مجعوليّة الأسماء والصّفات والماهيات الإمكانيّة مطلقا غير مجعولة لاعتباريّتها . منه .
( 1 ) ص : 78 .