أثنيت على نفسك « 1 » » انتهى . ثم قال ذلك البعض : إن صفات البارئ وأسماءه كلها كليات والمخلوق جزء ، والجزء لا يحيط بالكل ولا يدرك حقيقته ، فليتحرز من التأويلات المخرجة عن المعنى اللائق بجناب الحق ، مسلما أن لا يعرف اللّه إلا اللّه ، وأنشدوا :
لا يعلم اللّه إلا اللّه فاتّئدوا * والدّين دينان إيمان وإشراك
وللعقول حدود لا تجاوزها * والعجز عن درك الإدراك إدراك
فهذا أوائل المعرفة . وأما وسطها : فهو اغتراف من بحر الحقيقة ، واستشراف على غوامض الطريقة ، ولا تسعه كل عقول العامة ، وإنما يخوض فيه الخاصة ، فإن ما تقدم كان فيه استدلال بالاسم على المسمى ، وهذه مرتبة تسقط التفرقة بين الاسم والمسمى وبين الصفة والموصوف ، ثم قال : ولهذا قالوا : الجمع سقوط التفرقة ، وليس بعد هذا إلا جمع الجمع وهو غاية المعرفة ، فأول المعرفة دلالة الصنعة على الصانع ، ووسطها دلالة الصانع على الصنعة ، وغايتها تلاشي كل ما دون الحق :
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ
[ الرحمن : 26 ] انتهى . قاله الشطيبي مختصرا . هذا آخر الباب الثاني والعشرين .
وحاصلها : الترغيب في تحصيل الأنوار بالتفرغ من الأكدار ، فإذا فرغت قلبك وتأخر الفتح عليك فلا تستبطئ منه وجود النوال ، ولكن استبطئ من نفسك وجود الإقبال ، ولا يكمل إقبال العبد على ربه حتى يستغرق الأوقات كلها في طلبه ، فكل وقت من العمر لا ثمن له ولا يمكنه التفرغ لحفظ الأوقات حتى يتحرر من رق الكائنات ، فإذا تحرر مما سواه كان عبدا حقيقة لمولاه ، فحينئذ اجتباه ، ولحضرته اصطفاه ، من غير منفعة له فيه ولا ضرر ، وإنما يعود نفعه له وضرره عليه ، إذ لا يزيد في عزه إقبال من أقبل ولا إدبار من أدبر ، وإنما وصل من وصل بمحض فضله ، وأبعد من أبعد بمحض عدله ، ومعنى وصول العبد إلى مولاه : علمه بنور عظمة ربه وسناه ، كما أبان ذلك في أول الباب الثالث والعشرين بقوله رضي اللّه تعالى عنه
هامش
( 1 ) رواه مسلم ( 1 / 352 ) .