والمكان ، ولم يبق إلا الواحد المنان . وفي البخاري عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « يقول اللّه تعالى : يسبّ ابن آدم الدهر وأنا الدهر بيدي الليل والنهار « 1 » » ، فالوجود الحقيقي إنما هو لذاته وأثر صفاته ، تجلى واستتر واختفى فيما ظهر ، فإذا علمت هذا علمت أنه تعالى قريب من كل شيء ، محيط بكل شيء ، ولا شيء إلا الذي :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] ، لكن حكمة الحكيم أثبتت الحادث والقديم ، فمن فتح اللّه عين بصيرته شهد عدمه لوجوده ، فأبصر الحق محيطا به وما حيا لوجوده ، ومن طمس اللّه عين بصيرته لم ير إلا الفرق ولم يدرك إلا البعد ، فإذا أراد اللّه أن يقربه إليه فتح شعاع بصيرته ، فيبصر الحق قريبا منه محيطا به . روي أن الشيخ أبا الحسن رضي اللّه تعالى عنه قال يوما بين يدي أستاذه : اللهم اغفر لي يوم لقائك ، فقال له شيخه : هو أقرب إليك من ليلك ونهارك ، ولكن الظلم أوجب الظلام وسبق القضاء حكم بالزوال عن درجات الأنس ومنازل الوصال ، وللظالم يوم لا يرتاب فيه ولا يحتال ، والسابق قد وصل في الحال :
أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
[ مريم : 38 ] انتهى كلامه رضي اللّه تعالى عنه . فمعنى قربك من الحق أن تكون مشاهدا لقربه منك قرب وجود وإحاطة ، وذلك بعد أن تلطفت عواملك ، وفنيت دائرة حسك ، وحينئذ يتحقق قربك منه ، قال تعالى :
وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ
[ الإسراء : 60 ] ، وقال تعالى :
أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ
[ فصلت : 53 ] الآية . وإلا تعتقد هذا ، واعتقدت وجود نفسك وثبوت حسك الوهمي فلا تشاهد إلا البعد ، فمن أين أنت ووجود قربك الحسي من نوره اللطيف حتى تراه بعين الحس ؟
فما دمت في عالم الأشباح فأنت بعيد من عالم الأرواح في حال قربك منه ، كما قال القائل :
ومن عجب أنّى أحنّ إليهم * وأسأل شوقا عنهم وهم معي
وتبكيهم عيني وهم بسوادها * ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 4 / 1825 ) ، ومسلم ( 4 / 1762 ) .