بالمقصود ، لأن أعمال الصوفية مبنية عل العبادة القلبية ، لأن الأعمال الظاهرة إن لم يوافقها القلب كانت أشباحا خاوية ، وباللّه التوفيق واعلم أن من تخلص من رق طبعه واستنقذ من أسر نفسه فقد تحقق بمحبة ربه ، والمحبة لها بداية ووسط ونهاية ، فأول المحبة وبدايتها ملازمة امتثال الأمر واجتناب النهي ، قال تعالى :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
[ آل عمران : 31 ] ، ووسطها لهج اللسان بالذكر ، وتعلق القلب بشهود المحبوب ، ونهايتها لا تدرك بالعبارة ، ولا تلحقها الإشارة ، وفي هذا المعنى قيل :
فلم يبق إلا الله لا ربّ غيره * حبيب لقلب غاب عن كل مقصد
هنيئا لمن قد نال حبّ حبيبه * وخاض بترك الغير أكرم مورد
نعيم بلا حدّ لديه مجدّد * على عدد الأنفاس في كل مشهد
روي أن أبا يزيد رضي اللّه تعالى عنه كان بحذاء المنبر ، فقرأ الخطيب :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
[ الأنعام : 91 ] ، فصبّر نفسه حتى طار الدم من عينه ، فهذه المعاني لا تدركها العامة ولا الخاصة ، وإنما يذوقها خاصة الخاصة . وأنشدوا :
وحقّك لو أفنيت قلبي صبابة * لكنت على هذا حبيبا إلى قلبي
أزيد على عذل العذول تشوّقا * ووجدا على وجد وحبّا إلى حبّ
أبى القلب إلا أنت في كل حالة * حبيبا ولو دارت عليه يد الكرب
فلا تبتليه بالبعاد فإنّما * تلذّذ أنفاس المحبين بالقرب
ومعنى محبة اللّه لعبده حين يقبل عليه هو تقريبه لحضرته ، وهدايته لمحبته من غير نفع له في ذلك ، إذ لا تنفعه طاعة من أقبل عليه ، ولا تضره معصية من أدبر عنه ، إذ هو غني عن الكل ، كما أشار إلى ذلك بقوله :