وكان عبدا له حقيقة ، وإذا أقبل على هواه أعرض قطعا عن مولاه وكان عبدا لسواه ، والحق سبحانه لا يرضى لعبده أن يكون عبدا لغيره ؛ قال تعالى في ذم من كان عبدا لهواه :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ
[ الجاثية : 23 ] ، فالآية نص في ذم من أحب هواه واتخذ ربّا من دون مولاه ، وأما تفسير أهل الباطن : فهو إشارة لا تفسير معنى ، وفي الحديث : « إن للقرآن ظاهرا وباطنا وحدّا ومطلعا » . فقد ورد عن شيخ شيوخنا سيدي محمد بن عبد اللّه في إشارة هذه الآية أنه يمكن أن يكون مدحا ، ومعناه حينئذ أفرأيت من اتخذ إلهه الذي خلقه هواه لا يحب سواه وأضله في محبته على علم وبينة من ربه ، وختم على سمعه وقلبه بمحبته ، وجعل على بصره غشاوة ، تمنعه من النظر لما سواه ، فمن يهديه هذه الهداية العظمى من بعد اللّه ؟ لا هادي له سواه ، وهذا في ظاهر العبارة خارج عن سياق ظاهر الآية ، لكنه باطنها ولا يصح تفسير الآية به . واعلم أن تفسير هذه الطائفة لكلام اللّه وكلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم على غير المعنى المعهود ، ليس هو عندهم عين المعنى المراد ، ولكنهم يقررون الآية والحديث على ما يعطيه اللفظ ثم يفهمون إشارات ودقائق وأسرارا خارجة عن مقتضى الظاهر ، خصهم اللّه بها لصفاء أسرارهم ، وهكذا ذكر المؤلف في لطائفه . ثم نرجع إلى ما كنا فيه من طلب العبودية للّه ، والحرية مما سواه ، قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة « 1 » » زاد في رواية : « والزوجة ، تعس وانتكس ، وإذا شيك فلا انتقش « 2 » » . وقيل للجنيد : من العبد ؟ قال : من بقي في قلبه أدنى علاقة غير اللّه ، لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم ، قيل له : ومن الحر ؟ قال :
من تخلص من رق طبعه ، واستنقذ قلبه من شهوات نفسه ، وكان للشبلي تلميذ فكساه رجل يوما جبة وكان على رأس الشبلي قلنسوة فخطر على قلب التلميذ محبة القلنسوة ليجمعها مع الجبة ، فكاشفه الشيخ فأزال له الجبة وجمعها مع القلنسوة ورمى بهما في النار ، وقال له : لا تبق في قلبك التفاتا لغير اللّه ، وأنكر عليه بعض أهل الظاهر المتجمدين على ظاهر الشريعة جهلا
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 3 / 1057 ) ، ( 5 / 2364 ) .
( 2 ) لم أقف عليه بهذا اللفظ .