212 - لا يزيد في عزّه إقبال من أقبل عليه ، ولا ينقص من قدره إدبار من أدبر عنه .
قلت : الحق سبحانه غني عن كل شيء مفتقر إليه كل شيء ، لا تنفعه طاعة الطائعين ، ولا تضره معصية العاصين ، وسيأتي في المناجاة : إلهي تقدس رضاك أن تكون له علة منك ، فكيف تكون له علة مني ؟ أنت الغني بذاتك أن يصل إليك النفع منك ، فكيف لا تكون غنيّا عني ؟ انتهى . فلا تنفعه أيها العبد طاعتك فيكون محتاجا إليها ، تعالى اللّه عن ذلك ، ولا تضره معصيتك ، فيكون مقهورا بها :
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ
[ الأنعام : 18 ] ، فإنما أمرك بالطاعة ليقربك إليه :
إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
[ الأعراف : 56 ] ، وإنما نهاك عن المعاصي لما جعل فيها من علامة البعد عن حضرته ، فما أمرك اللّه بشيء إلا وفيه تقريب وآداب للحضرة ، وما نهى اللّه عن شيء إلا وفيه ضرر وإبعاد عن الحضرة ، لما فيه من سوء الأدب ، والتحقيق أنه :
لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ
[ الأنبياء : 23 ] ، لا يزيد في عزه إقبال من أقبل عليه ، لأن عزته أزلية قديمة ، ولا ينقص من ملكه إدبار من أدبر عنه ، لأنه غني عن العالمين . وفي الحديث القدسي : « لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكي شيئا ، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا « 1 » » ، الحديث أخرجه مسلم في صحيحه ، ومن أسمائه تعالى القدوس . قال بعضهم : معناه أنه منزّه عن كل كمال لا يليق بذاته ، ولا يقال : إنه منزه عن النقائص ، إذ لا تصح نسبتها إليه حتى ينزه عنها ، إذ لا ينفى عن الشيء إلا ما يصح إثباته له ، فإن نفيت ما لا يصح إثباته فربما يكون نقصا ، كما يقال : السلطان ليس بجزار ، ومن أجاز ذلك فإنما مراده التعميم وكما التقديس والتنزيه . قال بعضهم : لو أراد الخلق تنزيه الخالق إلا بلسان العجز ما استطاعوا ، ولذلك قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « لا أحصي ثناء عليك أنت كما
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه .