الباب الثالث والعشرون
213 - وصولك إليه وصولك إلى العلم به ، وإلا فجلّ ربّنا أن يتّصل به شيء ، أو يتّصل هو بشيء .
قلت : قد ذكر أهل الفن في هذا المقام اصطلاحات وألفاظا تداولوها بينهم تقريبا لفهم المعاني ، فمنها : السير ، والرحيل ، وذكر المنازل ، والمناهل ، والمقامات ، ومنها : الرجوع ، والوقوف ، وكل ذلك كناية عن مجاهدة النفوس ومحاربتها ، وقطع العوائق والعلائق عنها ، أو الوقوف مع شيء منها ، وسيأتي للمؤلف : لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ، ومنها : الوصول ، والتمكين ، والسكون ، والطمأنينة ، ومنها : المشاهدة ، والمكالمة ، والمجالسة ، والمساررة ، وغير ذلك ، وكل ذلك كناية عما أدركته أرواحهم ، وذاقته أسرارهم من عظمة الحق وجلاله ، وسيأتي تفسير شيء من ذلك في محله إن شاء اللّه . ومعنى الوصول عندهم تحقيق العلم بوجوده وحده ، فوصولك إليه هو شعورك بعدمك حتى يكون عدمك عندك ضروريا ، وعلمك بوجوده كذلك ، وهذا الأمر كان حاصلا لك في نفس الأمر ، لكن لم تشعر ، وفي هذا المعنى قال بعضهم ، وبعضه للششتري :
بين طلوع ونزول * تخبّلت الغزول
أفن من لم يكن * يبق من لم يزول
جول كي تزول * أو امش نزع الفحول
فالزوال هو المعرفة ، وهو معنى الوصول ، وسببها جولان الفكرة ولذلك أمره بها . وقال شيخ شيوخنا سيدي علي : الناس كلهم يشاهدون ولا يعرفون . وسمعت شيخنا يقول : الناس كلهم في البحر : أي في بحر الوحدة ، ولكن لا يشعرون ، فوصول العبد إلى اللّه عن تحقيق العلم بوجوده ، والغيبة عن نفسه ، وعن كل ما سواه ، وإلا تكن كذلك بأن تعتقد أن الوصول يكون حسيّا ، فجل ربنا : أي تعالى وترفع أن يتصل به شيء للزوم تحيزه ، أو يتصل هو بشيء للزوم افتقاره وحصره ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا .