واعلم أن هذا العلم باللّه يكون كسبيّا ، ثم لا يزال يغيب عن نفسه وحسه ، سكرة بعد سكرة ، وحيرة بعد حيرة ، حتى يصحو وينجلي عن ضباب الحس ، وسحاب الجهل وظلمة النفس ، فتشرق عليه شمس النهار ، وتنجلي عنه ظلمة الأغيار ، وفي ذلك قيل :
ليلي بوجهك مشرق * وظلامه في الناس سار
الناس في سدف الظلام * ونحن في ضوء النهار
أي ليل وجودي صار مشرقا مضيئا بسبب شهود ذاتك ، وظلام ليل القطيعة سار في جل الناس ، الناس في جوف ظلمة الأكوان ، ونحن في ضوء شموس العرفان ، ثم لا يزال في تربية الشيخ وتحت حضانته ومدده ، سار إليه بقدر صدقه ، حتى يسلم له خصيم الغرق الظلماني ، وينفرد النوارني ، ويحس ذلك من نفسه ، فحينئذ يقول بلسان الحال : أقر الخصم فارتقع النزاع ، فإذا انفرد الخصم النوراني استمد من كل شيء ، وشرب من كل شيء ، وأخذ النصيب من كل شيء ، فيبقى وصوله إلى الواسطة شكرا وإحسانا :
أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ
[ لقمان : 14 ] ، وينشد حينئذ بلسان حاله ومقاله :
الحمد للّه لا تفنى محامده * والحمد للّه في الآصال والبكر
من يهده اللّه أضحى عالما فطنا * باللّه في كل ما يبدو من الصور
يا طالب الوصل جد بالنفس ملتفتا * عنها إلى منزل الأشياء بالقدر
فإن ظفرت فأنت الفرد والعلم ال * منعوت بالحسن والحسنى لذي نظر
ومنها : أي من اصطلاحاتهم ذكر القرب والاستشراف والمراقبة ، وفسر الشيخ معنى القرب فقال :
214 - قربك منه أن تكون مشاهدا لقربه ، وإلا فمن أين أنت ووجود قربه ؟ .
قلت : إذا حققت أن الأكوان ثابتة بإثباته ، ممحوة بأحدية ذاته علمت علم يقين أن الأكوان والمكان والزمان لا وجود لها ، وأن الحق كما كان وجود وحده ولا أين ولامكان ، بقي كذلك لا أين ولامكان ولا زمان ، نور أحديته محا وجود الأكوان فانتفى بوجوده الزمان