تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
وآله وسلم إذا صنعت طعاما : فميعيه : أي اجعليه مائعا خفيفا ، فإن بين المائع واليابس خمسين تسبيحة . وقال أبو علي الجرجاني : ما مضغت الخبز منذ أربعين سنة ، وإنما أسف السويق وأعود لذكر اللّه تعالى . قال : وقد كنت عددت ما بين المضغ والبلع ستين تسبيحة . وقيل : إن ساعات الليل والنهار أربع وعشرون ساعة تبعث يوم القيامة خزائن مصفوفة أربعا وعشرين خزانة ، فمن كان عمرها في الدنيا بطاعة اللّه رآها خزائن معمورة بالنعيم ، ومن كان ضيعها رآها خزائن فارغة خاوية ، فيتحسر عليها ويندم ، وجاء في الخبر : « إن أهل الجنة بينما هم في نعيمهم إذ سطع لهم نور من فوق أضاءت منه منازلهم كما تضئ الشمس لأهل الدنيا ، فينظرون إلى رجال من فوقهم أهل عليين يرونهم كما يرى الكوكب الدّرّيّ في أفق السماء ، وقد فضّلوا عليهم في الأنوار والجمال والنعيم ، كما فضّل القمر على سائر النجوم ، فينظرون إليهم يسيرون على نجب تسرح بهم في الهواء يزورون ذا الجلال والإكرام ، فينادي هؤلاء : يا إخواننا ما أنصفتمونا كنا نصلي كما تصلون ونصوم كما تصومون ، فما هذا الذي فضّلتم به علينا ؟ فإذا النداء من قبل اللّه عز وجلّ : إنهم كانوا يجوعون حين تشبعون ، ويعطشون حين تروون ، ويعرون حين تكسون ، ويذكرون حين تنسون ، ويبكون حين تضحكون ، ويقومون حين تنامون ، ويخافون حين تأمنون ، بذلك فضلوا عليكم اليوم ، فذلك قوله تعالى :
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ السجدة : 17 ] » انتهى . ومما يعين على حفظ الأوقات واتصال الطاعات الزهد في السوى ومحبة المولى ، فإن من أحبّ شيئا أكثر من ذكره ، وخدمه وخضع له ، وكان عبدا حقيقة له ، كما أشار إلى ذلك بقوله :

210 - ما أحببت شيئا إلا كنت له عبدا ، وهو لا يحبّ أن تكون لغيره عبدا .

قلت : القلب إذا أحب شيئا أقبل إليه وخضع له ، وأطاعه في كل ما يأمره : " إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع " وهذه حقيقة العبودية : الخضوع والطاعة ، وليس للقلب إلا وجهة واحدة ، وليس للإنسان إلا قلب واحد ، قال تعالى :
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
[ الأحزاب : 4 ] ، وإذا كان للقلب وجهة واحدة فمهما أقبل بها على مولاه أعرض عما سواه ،