كلها محفوظة بالطاعة ، ولو حيل بينه وبين الخدمة لفارق الدنيا من ساعته ، لأن الطاعة قد صارت غذاء أرواحهم ، فإن فارقوها ماتوا ، نفعنا اللّه بهم آمين . ثم في تضييع حقوق الأوقات تضييع العمر الذي هو أعز من الكبريت الأحمر ، وهو الذي نبه عليه بقوله :
209 - ما فات من عمرك لا عوض له ، وما حصل لك منه لا قيمة له .
قلت : عمر المؤمن هو رأس ماله ، فيه ربحه وخسرانه ، فمن شدّيده عليه كان من الفائزين ، ومن ضيعه في البطالة والتقصير كان من الخاسرين ، فما فات منه في غير طاعة به لا عوض له ، إذ ما ذهب لا يرجع أبدا ، وما حصل لك منه لا قيمة له تفي بقدره ، إذ لو اشتريت ساعة منه بملء الأرض ذهبا لكان نزرا في حقه ، لأن ساعة منه تذكر اللّه فيها تنال بذلك ملكا كبيرا ونعيما مقيما ، لو بيعت الدنيا بحذافيرها ما بلغت منه عشر العشر ، ولأجل هذا المعنى اشتدت محافظة السلف الصالح على الأوقات ، وبذلوا مجهودهم في اغتنام الساعات ، ولم يقنعوا من أنفسهم إلا بالجد والتشمير ، ولم يسمحوا لها في الراحة والبطالة بقليل ولا كثير . وفي الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « لا تأتي على العبد ساعة لا يذكر اللّه فيها إلا كانت عليه حسرة يوم القيامة « 1 » » ، وقال علي كرم اللّه وجهه : بقية عمر العبد ما لها ثمن يدرك بها ما فات ، ويحيي بها ما مات . وقال الجنيد رضي اللّه تعالى عنه : الوقت إذا فات لا يستدرك ، وليس شيء أعز من الوقت ، وفي معناه قيل :
السباق السباق قولا وفعلا * حذّر النفس حسرة المسبوق
وقال الحسن البصري رضي اللّه تعالى عنه : أدركت أقواما كانوا على أنفاسهم وأوقاتهم أشد حفظا وأحرص شفقة منكم على دنانيركم ودراهمكم ، كما لا يخرج أحدكم درهمه ولا ديناره إلا في ورود منفعة واستجلاب فائدة ، كذلك كانوا لا يضيعون نفسا من أنفاسهم في غير طاعة أبدا . كان سيدنا علي رضي اللّه تعالى عنه يقول لفاطمة بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه
هامش
( 1 ) رواه أبو نعيم في الحلية ( 4 / 44 ) .