تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
فيها حق جديد من ذكر أو فكرة أو نظرة أو من مراقبة أو مشاهدة أو من خدمة حسية أو معنوية :
قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ
[ البقرة : 60 ] ، وأمر أكيد من التحقيق بالعبودية والقيام بوظائف الربوبية ، فإن غفلت عن الحق الجديد أو الأمر الأكيد في وقت ما ودخل الوقت الثاني ، فقد فاتك القضاء وندمت على ما مضى ، فكيف يمكن أن تقضي في الوقت الثاني حق غيره ، وهو أيضا له حق يجب عليك أن تؤديه فيه ؟ فلا يمكنك أن تقضي حق الوقت الأول في الوقت الثاني وأنت لم تقض حق اللّه فيه أي في الوقت الثاني . والحاصل : أن كل وقت له حق ، فإن فات فلا قضاء له ، ولذلك قالوا في الآداب : التصوف هو ضبط الأنفاس ، وحفظ الحواس ، والأنفاس هي دقائق الساعات ، وضبطها : هي عمارتها بأنواع الطاعات ، فإذا ضيع حقوق الساعات خرج عن أدب التصوف ، واللّه تعالى أعلم . قال الشيخ أبو العباس رضي اللّه تعالى عنه : أوقات العبد أربعة لا خامس لها : نعمة أو بلية ، طاعة أو معصية ، وله على عبده في كل وقت منها حق ، ففي النعمة الشكر ، وفي البلية الصبر ، وفي الطاعة شهود المنة ، وفي المعصية اللجأ والإنابة وطلب الإقالة بالمعنى ، وفي هذا المعنى قال عليه الصلاة والسلام : « من أعطي فشكر ، وابتلي فصبر ، وظلم فغفر ، وأذنب فاستغفر ، ثم سكت صلى اللّه عليه وآله وسلم فقالوا : ما له يا رسول اللّه ؟ قال : أولئك لهم الأمن وهم مهتدون « 1 » » ، أي لهم الأمن يوم القيامة ، وهم مهتدون في الدنيا ، وقيل : لهم الأمن في الدارين وهم مهتدون إلى حضرته في الكونين . واعلم أن القيام بحقوق الأوقات على التمام يكاد أن يكون متعذرا في حق البشر قال تعالى :
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ
[ الأنعام : 91 ] ، أي ما عبدوه حق عبادته ، وما عرفوه حق معرفته ، فلهذا كانت حقوق الأوقات لا يمكن قضاؤها ، لأنها راجعة لحفظ الأنفاس والخطرات ، وقد أعيى الرجال حفظها في حال الصلاة ، فكيف في كل وقت ؟ لكن قد
يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ
[ البقرة : 105 ] . قال بعضهم : منذ عشرين سنة ما خطر على قلبي شيء سوى اللّه تعالى . وقال الشيخ أبو الحسن : من أحب اللّه لم يستعمل جوارحه إلا فيما يوافق محبوبه ، وأنفاسه
هامش
( 1 ) رواه ابن قانع في معجم الصحابة ( 1 / 321 ) ، والحكيم في النوادر ( 4 / 209 ) ، وذكره المنذري في الترغيب والترهيب ( 4 / 140 ) ، والهيثمي في المجمع ( 10 / 284 ) .