الرابع : رياض المحبين ، دار سقفها عرش الرحمن ، وبابها باب الرضوان ، مكتوب على بابها بالخط الأزلي :
دار تقوى ورضا عليهما * أسّست ونعم دار المتقين
ثمّ نادى الحقّ من أرجائها * ادخلوها بسلام آمنين
فإن أردت عقد شرائها قلت : أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم :
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ
[ التوبة : 111 ] ، هذا ما اشترى العبد الثواب من الملك الوهاب ، بثمن قيمته الخروج من ذل المعاصي إلى عزة الطاعة ، ومن تعب الحرص والطمع إلى راحة الزهد والورع ، شهد بذلك عدول القلب واللسان ، وصحيح ما نزل من القرآن ، وبتاريخ حل عقدة الإصرار من وقت الإنابة ،
وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ
[ التوبة : 111 ] ، قال له : نعم ثم تصدق بما له وخرج معه إلى اللّه انتهى . ثم من صح إقباله على اللّه لم يضع شيئا من الأوقات في غير طاعة مولاه ، كما نبه على ذلك بقوله :
208 - حقوق في الأوقات يمكن قضاؤها ، وحقوق الأوقات لا يمكن قضاؤها .
قلت : أما الحقوق التي في الأوقات : فهي الطاعة التي عيّن اللّه تعالى لها وقتا محدودا كالصلوات الخمس ، والسنن المؤكدة ، وكذلك الزكاة والصيام ، لهما وقت محدد في العام ، فإذا خرج وقتها أمكن قضاؤها وإن كان يسمى مفرطا ، لكن بعض الشر أهون من بعض ، وأما حقوق الأوقات بأنفسها فهي مراقبة الحق أو مشاهدته كل واحد على قدر وسعه ،
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها
[ الطلاق : 7 ] ، وهذه الحقوق إذا فات وقتها لا يمكن قضاؤها ، إذ الوقت الثاني له حق مخصوص لا يسع غيره ، فما من لحظة إلا ويجب عليك فيها أن تكون عاملا للّه ، مشتغلا فيها بما يوصلك إلى قربه ورضاه ، وهذا معنى قوله : [ إذ ما من وقت يرد إلا وللّه عليك فيه حقّ جديد وأمر أكيد ، فكيف تقضي فيه حقّ غيره وأنت لم تقض حقّ اللّه فيه ؟ ] . قلت : ما من وقت أو لحظة ترد عليك أيها العبد إلا وللّه عليك