تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري — صفحة 418

مساهمون:

ص٤١٨
أنواعه كما قالوا في جمع العالمين . يقول رضي اللّه تعالى عنه : فرغ قلبك أيها الفقير من الأغيار ، وهو ما سوى اللّه ، بحيث لا يتعلق قلبك بشيء من الكون علويّا ، أو سفليّا ، دنيويّا ، أو أخرويّا حسيّا أو معنويّا ، كحب الخصوصية وغيرها من الحظوظ ، فإذا رحل قلبك من هذا العالم بالكلية ولم يبق فيه إلا محبة مولاه ، فإنه يملأه بالمعارف ، بحيث يكشف عنك حجاب الوهم ، ويذهب عنك ظلمة الحس ، فتشاهد الأشياء كلها أنوارا ملكوتية مشاهدة ذوقية تمكينية ، ويملأه أيضا بالأسرار ، وهي أسرار الجبروت ، فتغيب بالجمع عن الفرق ، وبشهود الجبروت عن شهود الملكوت ، وتكاشف بأسرار القدر فيهب عليك نسيم برد الرضا والتسليم ، وأنت في حضرة النعيم المقيم عند الملك الكريم ، فالأسرار على هذا أبلغ من المعارف ، فالمعارف أنوار الملكوت ، والأسرار أنوار الجبروت ، لأن السائر قد يكشف له عن نور الملكوت ، فيشهد الكون كله نورا لكنه مفتقر إلى تلك الأنوار ليترقى بها إلى التمكين في شهود الذات ، كافتقار القارئ إلى النظر في الرسوم ، فإذا حفظ القارئ المعنى وتمكن منه محا الرسوم ولم يفتقر إليها ، كذلك السالك يكشف له أولا عن نور الكون فيغيب في النور عن ظلمة الحس ، ثم لا يزال في السير حتى يقبض المعنى ويتمكن منه ، فلا يحتاج إلى مشاهدة ، فيستغني عن نور الملكوت بنور الجبروت ، وقد تقدم هذا المعنى عند قول المؤلف : ( اهتدى الراحلون . . . ) الخ الحكمة ، فيمتحى السوى عن عين قلبه بالكلية ، ويغيب عن نفسه وحسه بشهود الأحدية ، وللّه در قول الشاعر :
إن تلاشى الكون عن عين قلبي * شاهد السرّ غيبه في بيان فاطرح الكون عن عيانك وامح * نقطة الغين إن أردت تراني
ويحتمل أن يريد بالمعارف علوم العرفان ، وبالأسرار الأذواق والوجدان ، فتكون المعارف هي علوم المعرفة ، بحيث يعرف في كل شيء ، ولا ينكر شيئا ، والأسرار أذواق تلك العلوم ، فإن المعرفة تكون أولا علما وآخرا ذوقا ، ويحتمل أن يكون من عطف التفسير فتكون الأسرار هي المعارف ، واللّه تعالى أعلم . ومن أراد سرعة السير إلى هذا المقام فليفرغ قلبه ، وينظفه على التمام ، فبقدر التخلية تكون التحلية ، وبقدر التصفية تكون الترقية . ولأجل هذا نهوا السائر عن التزوج وعن التعلق بالأسباب ، إذ لا يخلو من علقة ، فإذا تمكن من المعنى لم يبق له مراد إلا مراد