لو كشف عن نور المؤمن العاصي لطبق ما بين السماء والأرض . وأما الأنوار التي أذن لها في الدخول فهي خاصة بالخواص أهل التفرغ من الأغيار ولوث الأنوار ، فأما من كان قلبه محشوّا بصور آثارها ، فلا يطمع في نيل أسرارها ، كما أبان ذلك بقوله :
205 - ربّما وردت عليك الأنوار فوجدت القلب محشوّا بصور الآثار ، فارتحلت من حيث جاءت .
قلت : ربّ هنا للتكثير : أي كثيرا ما ترد عليك أنوار عالم الغيب لتغيبك عن عالم الشهادة ، فتجد قلبك محشوّا بصور عالم الشهادة ، فترحل عنك وتتركك محبوسا في يدها . أو تقول : كثيرا ما ترد عليك أنوار المعاني لتخرجك من سجن الأواني ، فتجد قلبك مملوءا بها فتتركك في وسطها محجوبا بها . أو تقول : كثيرا ما ترد عليك أنوار الملكوت ، فتجد قلبك محشوّا بظلمة الملك ، فتتركك في ظلمة الكون . أو تقول : قد ترد عليك أنوار الجبروت ، فتجد قلبك محشوّا بأنوار الملكوت ، فرحا بها قانعا ببهجتها ، فتتركك واقفا معها ، وتنادي عليك : القناعة من اللّه حرمان الذي تطلب أمامك ، ولو كان العلم ينتهي إلى حد محدود لم يقل اللّه تعالى لسيد العارفين :
وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
[ طه : 114 ] ، قال صلى اللّه عليه وآله وسلم : « كلّ يوم لا أزداد فيه علما لا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم « 1 » » ، أو كما قال صلى اللّه عليه وآله وسلم . فالمانع للقلب من دخول الأنوار هو وجود الأغيار ، كما أشار إلى ذلك بقوله :
206 - فرّغ قلبك من الأغيار تملأه بالمعارف والأسرار .
قلت : التفرغ هو الخلو من الشيء والتنظيف منه ، والأغيار : جمع غير بكسر الغين وفتح الياء ، ويصح أن يكون بفتح الغين وسكون الياء وهو أليق ، والمراد به حينئذ السوى ، وإنما جمعه لتعدد
هامش
( 1 ) رواه إسحاق بن راهويه في مسنده ( 2 / 553 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 8 / 188 ) ، والديلمي ( 1 / 318 ) ، والخطيب في التاريخ ( 6 / 100 ) ، وابن عدي في الكامل ( 2 / 79 ) ، وابن حبان في المجروحين ( 1 / 335 ) وذكره الحافظ في اللسان ( 3 / 78 ) ، والمناوي في فيضه ( 1 / 240 ) .