فهوى النفس : يرجع لشهواتها الجسمانية : كحلاوة المآكل والمشارب ، والملابس والمراكب ، والمناكح والمساكن . وهوى القلب : هو شهواته المعنوية : كحب الجاه والرياسة ، والعز والمدح ، والخصوصية والكرامات ، وحلاوة الطاعات الحسية ، كمقام العباد والزهاد ، وحلاوة علم الحروف والرسوم . فأما علاج هوى النفس : فأمره قريب ، يمكن علاجه بالفرار من أوطان ذلك والزهد وصحبة الأخيار . وأما علاج هوى القلب : إذا تمكن فهو صعب ، وهو الداء العضال الذي أعضل الأطباء : أي أعجزهم وحبسهم عن علاجه ، فلا يزيده الدواء إلا تمكنا ، وإنما يخرجه وارد إلهي بعناية سابقة بواسطة ، أو بغير واسطة كما أشار إلى ذلك بقوله :
202 - لا يخرج الشهوة من القلب إلا خوف مزعج أو شوق مقلق .
قلت : الشهوة إذا تمكنت من القلب صعب علاجها ، فلا يمكن خروجها في العادة ، إلا بوارد قهري جلالي أو جمالي . فالوارد الجلالي : هو خوف مزعج ، فيزعجك عن شهوتك ، ويخرجك عن وطنك وأهلك . والوارد الجمالي : هو شوق مقلق ، فيقلقك عن مراداتك وحظوظك ، فينسيك نفسك ، ويؤنسك بربك ، ولأجل صعوبة هذا المرض كان أشد حجابا عن اللّه العلماء ، ثم العباد ، ثم الزهاد ، لأن هذه الشهوة خفية ، لأن صاحبها
أَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ
الآية
وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً
[ الكهف : 104 ] ، أي أضلهم عن طريق الخصوص ، وبقوا في طريق العموم . أما العلماء الظاهريون : فهم يعتقدون أنه لا فضيلة فوق علمهم ، حتى أني سمعت من بعضهم يقول : إن مقام الإحسان هو مقامهم الذي هم فيه من العمل بظاهر الكتاب والسنة ، ولا مقام فوق ذلك ، فكيف يمكن إخراج هذا إلا بعناية سابقة ؟ .
وأما العباد والزهاد : فهم يقولون أيضا : هذه غاية المحبة والطاعة ، ويزيدهم بعدا ما يرونه من الكرامات الحسية ، فيزدادون حجابا وتمكنا في حالهم . وأما العوام وأهل الغفلة : فهم أقرب الناس إلى الانقياد والنفوذ إلى ربهم ، وفي الحديث عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « أكثر أهل الجنة البله « 1 » » ، أي المغفلون ، ومما يدلك على أن الشهوة القلبية أصعب من الشهوة النفسية
هامش
( 1 ) تقدم .