لشيخ عارف إلى وقت ضلالته ، وينظر إذا كان عارفا إلى وقت جهالته ، وهكذا كل نعمة ينظر إلى وجود ضدها الذي كان موجودا فيه قبل ذلك ، فلا شك أنه يعرف قدرها فيشكرها فتدوم عليه ، وأما من لم يتفكر في حال النعم فلا يعرف قدرها ، فيغفل عن شكرها ، فيسلب منها وهو لا يشعر . قال بعضهم : شكر اللّه تعالى باللسان : هو الاعتراف بالنعمة على وجه الخضوع ، وشكر اللّه باليد : هو الاتصاف بالخدمة على وجه الإخلاص ، وشكر اللّه بالقلب : هو مشاهدة المنة وحفظ الحرمة . وقال الجنيد رضي اللّه تعالى عنه : ألا ترى نفسك أهلا للنعمة ، وألا تعصي اللّه بنعمته ، انتهى . فإن قلت : كيف بشكر النعم وهي لا تحصى ؟ قلت : القيام بها هو الاعتراف بها للمنعم وحده ، وإلى هذا المعنى أشار الشيخ بقوله :
200 - لا تدهشك واردات النعم عن القيام بحقوق شكرك ، فإنّ ذلك مما يحطّ من وجود قدرك .
قلت : قد يتفكر الإنسان في نفسه وما به من النعم فيجد نفسه مغموسا في النعم حسية ومعنوية ، فينظر في نعمة البصر ، في نعمة السمع ، في نعمة الشم ، في نعمة الذوق ، في نعمة الكلام ، في نعمة العقل ، في نعمة اليدين ، في نعمة الرجلين ، في نعمة الصحة والعافية ، في نعمة الكفاية ، في نعمة الأهل ، في نعمة الأولاد ، ثم في نعمة الهداية إلى الإسلام ، ثم في نعمة الإيمان ، ثم في نعمة الطاعة ، ثم في نعمة العلم ، ثم في نعمة من يستعين به من الإخوان ، ثم في النعمة الكبرى : نعمة الشيخ ، فيما أعد اللّه له بعد الموت الذي لا نهاية له ، فإذا وجد نفسه مغمورا في النعم فلا يدهش منها ويتحقر في نفسه عن القيام بشكرها ، فإن الاعتراف بها ومعرفتها والإقرار بها أنها من اللّه بلا واسطة هو شكرها ، وقوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[ الفاتحة : 2 ] ، كاف في شكر اللسان ، ألا ترى أن الجنة هي من أعظم النعم ؟ فكان شكر أهل الجنة فيها : الحمد للّه رب العالمين ، قال تعالى :
وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[ يونس : 10 ] ، وقد جاء في بعض الأخبار أن داود عليه السلام قال : يا رب كيف أشكرك وأنا لا أستطيع أن أشكرك إلا بنعمة من