فمن حصن أعماله بالإخلاص استحق القبول وكان من الخواص ، ومن حصن قلبه من الأغيار امتلأ بالعلوم والأنوار ، ونبعت منه المعارف والأسرار . واعلم أن العمل المشترك هو الذي يدخله ثلاث علل : إما رياء ، أو عجب ، أو طلب عوض . أما الرياء : فهو الشرك الأصغر ، وقد تقدم الحديث : « من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشريكه » ، وفي حديث مسلم : « ثلاثة أول من تسعر بهم جهنم يوم القيامة ، فذكر القارئ لغير اللّه ، والشجاع الذي يقاتل لغير اللّه ، والغني الذي يتصدق لغير اللّه » ، وأما العجب : فهو رؤية النفس وإسناد العمل إليها ، ورؤية المزية لها على الناس قال تعالى :
فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى
[ النجم : 32 ] ، قيل معناه : إذا عملت عملا فلا تقل : عملت ولا تظهره عند من يعظمك لأجل علمه بذلك ، لأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول : « ثلاث مهلكات : شحّ مطاع ، وهوى متّبع ، وإعجاب المرء بنفسه « 1 » » . وقال زيد بن أسلم : معنى لا تزكوا أنفسكم لا تعتقدوا أنها بارة ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من الذنوب : العجب « 2 » » . قال بعض السلف : لأن أبيت نائما وأصبح نادما أحب إلي من أن أبيت قائما وأصبح معجبا ، وقيل لعائشة رضي اللّه عنها : متى يكون الرجل مسيئا ؟ قالت : إذا ظن أنه محسن . قيل : والمعجب أعمى عن آفات نفسه وعمله ، والعمل إذا لم يتفقد ضاع ، وإنما يتفقد عمله من غلب عليه خوف اللّه وخوف ذنوبه ، ولا يريد الثناء على نفسه وحمدها وتزكيتها ، وربما أعجب برأيه وعقله ، فيستنكف عن سؤال غيره ولا يسمع نصح ناصح لنظره من سواه بنظر الاستحقار ، نسأل اللّه السلامة والعافية . وأما طلب العوض والجزاء فقد تقدم مرارا الزجر عنه ، وإنك إن طالبته بالجزاء طالبك بسر الإخلاص ، ويكفي المريب وجدان السلامة ، فكل عمل فيه بعض هذه الآفات فإن اللّه لا يقبله قبول الخواص . وأما القلب المشترك : فهو الذي
هامش
( 1 ) رواه ابن أبي شيبة في المصنف ( 7 / 503 ) ، والطبراني في الأوسط ( 5 / 328 ) ، والبيهقي في الشعب ( 1 / 471 ) بنحوه .
( 2 ) تقدم تخريجه .